الصفحة 1044 من 3036

إن كارلايل إذن يعترف أن الغربيين يرون ظاهرة التكرار في القرآن سببًا في العناء وفي جعل القول مملًا متعبًا. ولكنه يكشف أن سبب ذلك هو أن الترجمة تذهب بالحسن والرونق، ومن هنا فترجمة القرآن على الحقيقة ليست قرآنًا، ولن يدرك بلاغة القرآن وإعجازه البياني، ومنه التكرار، إلا من أوتي من فهم العربية حظًا عظيمًا.

وهنا أمران، مما ذكرهما كارلايل، تنبه إليهما بديع الزمان وشرحهما وأفاض فيهما القول.

فأما الأمر الأول فيتعلق بالملل الذي قد ينبع من التكرار.

إن كل كلام إذا ما تكرر كثيرًا مدعاة للملل والسآمة والضجر، إلا ما كان من كلام الله تعالى، فإنه "لا يخلق على كثرة الرد" كما جاء في الحديث الشريف، بل لا يزيده التكرار إلا بهاء وتجديدًا وجلالا، فيكون ذلك من صور الإعجاز فيه، يقول بديع الزمان:" إن القرآن الكريم قد أظهر عذوبة وحلاوة ذات أصالة وحقيقة بحيث إن التكرار الكثير - المسبب للسآمة حتى من أطيب الأشياء - لا يورث الملال عند من لم يفسد قلبه ويبلد ذوقه، بل يزيد تكرار تلاوته من عذوبته وحلاوته، وهذا أمر مسلم به عند الجميع منذ ذلك العصر، حتى غدا مضرب الأمثال"26"

وفي هذا النص لفتة من لفتات الأسلوب البديعي - نسبة إلى بديع الزمان - وهو الجمع بين العمق والبساطة، فهو لكي يؤكد الفكرة ويجليها يضرب لك الأمثال القريبة، فلذلك يكون هذا الجمع بين المعنوي والحسي في السياق، ذلك بأنه كان في معرض شرح لذة عقلية مصدرها تكرار القرآن، فإذا به يشير إلى السآمة النابعة من "أطيب الأشياء إذا تكررت، فكأن "أطيب الأشياء تنصرف إلى الحسي من الأشياء أيضًا، وإذا بنا نتذكر كيف أن من "أطيب الأشياء المن والسلوى الذي جعله الله تعالى طعامًا لبني إسرائيل، فإذا بهم لكفرهم يشعرون بالسآمة والملل ويخاطبون موسى عليه السلام "لن نصبر على طعام واحد". 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت