الصفحة 1049 من 3036

قد يتساءل الإنسان عن سر التكرار في القرآن الكريم، وكيف حدث أنه لا يورث السأم والملل، كغيره من الأساليب البشرية، وبتتبعنا لرسائل النور نتبين أن وراء التكرار أسرارًا وأسبابًا ودوافع، ويمكن إجمالها فيما يلي:

إن النظريات الأدبية الحديثة، حين تتناول النص الأدبي، لا تتناوله بمعزل عن عناصره المكونة التي هي: الخطاب، والمخاطِب، والمخاطَب،أي المرسل والمتلقي وعملية التلقي نفسها، وعندما نحلل عناصر بلاغة التكرار، كما بينها النورسي، نجد أنها تعتني عناية فائقة بهذه العناصر، وإليها يؤول الإعجاز في بلاغة التكرار.

1-مصدر الخطاب: إن لمصدر الخطاب، أي المخاطِب، أهمية قصوى في طبيعة الخطاب نفسه، فالخطاب يمتلك قوته أولًا من مصدر الخطاب، وحين يكون المخاطِب هو الله تعالى فلا بد أن يكون للخطاب قوته الباهرة، وفعله النافذ. والتكرار حين ينبع من هذا المصدر، الذي هو الله تعالى، يكون له الوقع الكبير الذي لا يكون له إن صدر عن سواه.

إن هذا الأمر طالما عني به النورسي وفصل الحديث فيه، وهو يتحدث عن الخطاب القرآني خاصة، وبيّن "أن منابع علو طبقة الكلام وقوته وحسنه وجماله أربعة: المتكلم، والمخاطب، والمقصد، والمقام، لا المقام فقط... كما ضل فيه الأدباء. فانظر إلى من قال؟ ولمن قال؟ وفيما قال؟" 36.

ولذلك فانه "لا يقاس القرآن على سائر الكلام" 37لأنه"الأثر الحقيقي النفاذ المتضمن للقدرة والإرادة".

2-طبيعة الخطاب: ويلحق بمصدر الخطاب، طبيعة الخطاب، وكما أن مصدر الخطاب هو الله تعالى، فكذلك طبيعة الخطاب أنه الهي، وهو لذلك شامل ومتنوع، وقد جاء التكرار مستجيبًا لذلك الشيوع والتنوع، إذ القرآن الكريم: "كتاب دعاء ودعوة، كما أنه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار"39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت