الصفحة 1067 من 3036

الأدب القرآني ليس أدبا قوميًا، ولا إقليميًا، ولا يخص جنسًا دون جنس، ولا أمة دون أمة، بل هو أدب كوني، يتوجه إلى الإنسان أينما كان، وكيفما كان، فلذلك آثاره جلية على فطاحل الأدباء من غير المسلمين، أيضا. بل هو يتجاوز، في تعامله مع الكون والحياة، الإنسان إلى ما خلق الله من الطبيعة والنبات والحيوان.. إنه الأدب الذي يؤول إلى موقف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من جبل أحد، وقوله عليه السلام:"هذا جبل يحبنا ونحبه".

ولما كانت لغة الأدب لغة مجاز، تدل على الحقائق الجوهرية السامية، وجدنا ذلك القري في آثار بعض أدبائنا، ومما ينسب للمجنون:

فأجهشت للتوباد حين رأيته وكبّر للرحمن حين رآني

وقصيدة ابن خفاجة الأندلسي في الجبل أشهر من أن يفصل فيها القول.

هذا الأدب الكوني هو الذي تجلى في رسائل النور إبداعا وموقفا. ففي (رسالة تستنطق النجوم) (1) يقدم النورسي قطعة فنية بديعة، ويبدؤها بقوله:

"كنت يوما على ذروة قمة من قمم جبل"جام"نظرت إلى وجه السماء في سكون الليل، وإذا بالفقرات الآتية تخطر ببالي، فكأنني استمعت خيالا إلى ما تنطق به النجوم بلسان الحال"،وتسيح بنا هذه الرسالة في عالم النجوم، حيث تتحول كائنا حيا ناطقا، يدعونا بديع الزمان إلى الإصغاء إليها قائلا:

"واستمع إلى النجوم أيضا إلى حلو خطابها اللذيذ"

لترى ما قرره ختم الحكمة النيرة على الوجود

إنها جميعا تهتف وتقول معا بلسان الحق:

نحن براهين ساطعة على هيبة القدير ذي الجلال

نحن شواهد صدق على وجود الصانع الجليل وعلى وحدانيته وقدرته

نتفرج كالملائكة على تلك المعجزات اللطيفة التي جملت وجه الأرض""

وهكذا إذن تنساب هذه القطعة البديعة، متجاوزة الجمال الظاهري الذي طالما سحر الرومانسيين إلى الجمال الحق الشامل، جمال الخلق الدال على جمال الخالق.

(1) - الكلمات: 246-247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت