الصفحة 1092 من 3036

لقد تميزت هذه الشخصية بتصاعد حميتها القتالية على الدوام، وقد انتهى بها ذلك التصعيد إلى حد اِشهار الحرب على أشرس الجحافل وأكثرها ضراوة، من معسكر الردة، وأعداء الملة..

لقد دفعت بهذا الرجل الفذ ظروف التاريخ والجغرافيا - بحكم انتمائه إلى بلد كان يعقد على رأسه راية الأمة الإسلامية - إلى أن يبارز كتائب الغرب المحتل، وأن يخرج فردا إلى الساحة، يحمل سيف البسالة الدينية والتحميس، في وقت كانت سنابك خيل العدو تقدح شررا، وتدنس شوارع الحاضرة الاسلامية اسطنبول، على إثر انهزام الدولة العثماية في الحرب الكونية الأولى..

لقد ارتفع يومها صوت النورسي متمزقا بالحسرة والحمية يخترق الأسماع، يعيد إليها الوعي والأنفة، بعد أن أذهلتها النكبة، وكبلها الخذلان..

واضطرته الأقدار إلى أن يتصدى للسفياني وجها لوجه، وأن يرفع عقيرته بالاعتراض والإدانة لأعمال الحيدة والارتكاس عن الدين التي باشرتها طغمة المرتدين، وأن يبادل المرتدين اللكمة لكمتين عن كل خطوة يخطونها على طريق الانحراف الملي..

لقد ولد النورسي في تربة تهيئه مؤهلاتها الثقافية والمعنوية لأن يكون معلِّمَ كتاتيب، أو لأن يضحى ربما - وبشيء من الحظ - مريد طريقة يردد في الحلقة راتب الأوراد والأذكار، أو هو خُلِقَ ليعيش- في أقصى حالات التوفيق - ليضحى وجها ضمن نخبة مجتثة عن ريفيتها، يتقلب في الحاضرة التركية، تتداوله أهواء الساسة والأحزاب، متأرجحا بين فترات الزهو والانتصار حينا، وفترات المرارة والاندحار أحيانا، لينتهي به المسار جفافةً عَرَكَتْهَا الأرجل و ألْحَسَتْها كل أقذار العتبات..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت