وذات السبيل سلكه النورسي تقريبا في حياته وفي صلته بالناس، فقد تعاقبت عليه أطوار شتى اقتضت منه أن يتحلى لكل طور منها بألوان من البيان المعرفي والمسلكي ، خلوصا إلى نتيجة مبدئية تنسجم مع ما يسكن بواطنه من حوافز إيمانية ودوافع إصلاحية كان القدر منذ المنطلق يوقفه عليها .. لقد كانت سيرة النورسي مزيجا من مواقف الشدة واللين ،الدماثة والانقباض، الشد والإرخاء، التماسك والاندفاع، العقل والعاطفة- وهذه الأحوال- وإن كانت من طبيعة الإنسان كلية ومن جبلته إلا أنها أخذت عند النورسي طابعا روحيا ومسلكيا نضيجا، خرج بها عن إطار الاستجابات وردود الفعل الانعكاسية، ليضحى منهج حياة وفلسفة وجود تواجه المواقف والطوارئ بوعي موصول - على أعمق ما تكون الصلة - بالدستور الروحي الذي تفتحت عليه جوانح النورسي وملكاته: القرآن العظيم الذي شكل آليات الاستجابة والكف عند هذا الإنسان الصالح، وبلور أفعاله، وصبغها بصبغة روحانية عميقة لا تستدرجها التفريعات الجانبية أو الانشغالات الهامشية التي لا تمس صلب الحياة، ولا ترتبط بهيكلها في الصميم..
لقد راوحت حياة النورسي بين السرية والسفور، بين السياسة والتعليم، بين المحفلية والانعزال، بين السجن والتحرر، بين المدنية والعسكرية، بين التحضر والفطرية، بين الروحي والعقلي.. ولم يكن في هذا كله في وضع الفصامية ،ولا استهواه حال تمثيل الأدوار واختطاف الأضواء شأن المتهافتين ومن لا تحدوهم عقيدة وجودية يراهنون من أجل اِرساء دعائمها بأرواحهم. بل لقد تكاملت لديه طبيعة تُمازِجُ بصرامة ووعي - في صنع رؤاها وقناعاتها - بين المقومات الأخلاقية والوجدانية، فكان من ثمة ظهور ذلك النموذج الفكري والروحي المستميت الذي كانت له قدرة خارقة على الصمود وتسديد الضربات..