فإذا كان من دَأَبِ القرآن العظيم أن يُجَنِّحَ بخطابه بعيدا، ويمسح الآفاق القصوى، ويفلت منها كانفلات البرق في صفحة السماء المطيرة، ليرتد مؤديا أعمق التجسيدات الكشفية والأدائية بأرشق لفتة، وأرقِّ دفقة، يودعها من الحقائق المكتنزة ما يجعل العقل الإنساني يذهل من شمولية البسطة القرآنية الواحدة، فضلا عن استرسالاته التي تحوز بين أشرعتها عوالم من النظر والتلقينات ما لا تفي به - في الموقف الواحد- الصحائف المستفيضة.
فكذلك كانت حال تجربة النورسي الحياتية، لقد شقت طريقها منذ البدء شقا برقيا، إذ أنها صعَّدَتْ تطوي الأفق في حركة جارفة، ملؤُها تَحَدٍّ روحي سافر..لا تكاد تمضي على ماثل من الأفكار يتهاوى إلا دحرجته من طريقها، ولا شارفت وضعا روحيا متهالكا إلا قوَّمته، ولا وقع نظرها على مشهد سلوكي نشاز إلا عدَّلته.. وتلك هي طبيعة الفذاذات الأصيلة، إذ حالها كحال الثورات تخلخل السواكن، وتهز الهشاشات، وتجتث الجذوع النواخر..
لقد أرسى القرآن العظيم ثورته التوصيلية على دعائم من الإفضاء غير معهودة، إذ راوح في ملحمة الأداء التبليغي بين المواقف، فأسلس الدعوة وهمس بالسر، وأومأ بالحجة، وفاه بالدليل، وإلى ذلك ناجى وتودد يقرب إليه القلوب، وناشد للانصياع إلى مقاصده بالحسنى، وأسَّى وتأسى، و جاهر بالحق، ونادى بالحقيقة، وصاح بالبينة، وقرع بالذكرى، وصاول وطاول، وجادل وأفحم، ثم أجهز وأنجز..