الصفحة 1133 من 3036

ومضت عقود والنورسي يغذي نفوسًا هيأها الله لأن تتماسك وتصمد في وجه التغريب والانسلاخ عن العقيدة..

وعاش النورسي من جهته يكيف آراءه واجتهاداته، وانتهى به المآل إلى أن يجدد صلته وتأثيره في عالم السياسة، ليس من موقع المصالحة والتداخل، ولكن من موقع الحكمة ومراعاة مكاسب الاسلام.. وتجسد ذلك في إبدائه رأيه في بعض المراحل وإعرابه عن تعاطفه مع بعض الأحزاب التي كانت تسالم الاسلام خلال عهد الديمقراطية قصيرة العمر التي عاشتها تركيا في خمسينات هذا القرن..

لقد عاش النورسي فلتة، ومات فلتة، وكانت واقعة ارتحاله إلى الرفيق الأعلى محفوفة بمأساوية قدرية فيها كثير من الإشارات الربانية النامة عن صلاح النورسي وطهره..

وقد كتب الله له أن يعيش ضربا آخر من النفي بعد رحيله، إذ أخفى النظام العسكري قبره، وغيبه عن الأنظار.. وذلك هو شأن الربانيين، يعيشون الانقطاع الكلي عن الدنيا، فلا تظهر لرياضهم - غالبا - آثار.

الفصل الثاني

النورسي.. الإنسان

"..ياطلاب رسائل النور ويا خدام القرآن نحن جميعا أجزاء وأعضاء في شخصية معنوية جديرة بأن يطلق عليها: الإنسان الكامل.." (1)

كان له نظر جدلي دياليكتيكي كما يقولون، ولكنه ديالكتيك مؤمن، فالله مصدر الفعل وكل شيء مزمم مشدود على المخلوق، وخيرُنا من إرادة الله ولكن الشر مصدره العدم الذي قدر الله أن نكتسب منه أفعالنا حين تشذ عن سواء السبيل ..

(1) اللمعات ص.243.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت