فهرس الكتاب
أعطوني حريتي وأطلقوا يدي كي أعمل بالتكاتف مع القوى المجاهدة في سبيل إعلان التوحيد وترسيخ الإيمان في هذه البلاد، وإصلاح الشباب المتسمم بالشيوعية". (1) "
وكان طبيعيا أن تظل العواصف تتقاذف تجربة الإصلاح والصمود التي أبحر فيها ومن خلالها النورسي يتحدى مخططا جهنميا رآه يتحول إلى واقع يردم وجه حضارة الإسلام في بلاده .. وهكذا غدا النورسي نزيلا لإقامات جبرية متواصلة ولمعتقلات ومحاكمات لا تنتهي .. كل ذلك لم يفت في عضده .. لقد باشر العزلة بفتح أبواب معنوية أعرض وأوسع في وجه المستقبل من خلال رسائل النور التي تحولت إلى برنامج تكويني استراتيجي.. لقد كان عدد تلك الرسائل يربو عن المائة والثلاثين رسالة"لا تبحث بحثا مقصودا عن أمور الدنيا والسياسة، وإنما تخص كليا أمور الآخرة والإيمان". (2)
بل لقد ربطت في رؤيتها بين الدنيا والآخرة، وألغت الهوة بين الدارين، وجعلت سعادة المؤمن في هذه الدار الدنيا رهنا بسعادته هناك ..من هنا لبثت تُجَيِّشُ النفوس على الحزم والعزم والأخذ بالأسباب..
لقد خرجت هذه الرسائل بفذلكات الكلام والتوحيد والفلسفة من نطاق الافتراضية الأسطورية والماورائية، إلى واقع عيني مشهود، وما ذلك إلا لأنها اختارت نهج سبيل القرآن العظيم الواقعي، والعقلي، والذي لا يرجم بالغيب ..
لقد خططوا لإعدامه بالقانون، وحيث احتواهم بسياسته الاتقائية الرشيدة، عمدوا إلى تسميمه .. وهكذا تعرض لإحدى عشرة محاولة لتصفيته.. وكان للشدائد والضغوط أثر كبير في إهدار صحته واستنزافه وجعله يعيش عرضة للأمراض والنقاهات ..
لقد سعوا إلى قتل التجربة الاصلاحية بكل السبل، لكن حكمة التحصن وقَتْهَا شرورهم، فمضت الرسائل تبني أجيال النور، بعد أن أقبلت عليها الفيئات تستكتبها خلسة، وتتواصل مع صاحبها وهو يخترق الآفاق سجينا ومنفيا ومحاكما..
(1) الشعاعات ص544
(2) الشعاعات ص543