الصفحة 118 من 3036

فإبعاد الدين عن الدائرة المنطقية والعقلية مسألة فيها نظر، فالدين الحق الذي لم تصبه يد التحريف، أو تدخله عناصر غريبة عنه، هو دين عقلي لا يجافي العقل، أو يناكف المنطق، وما"علم الكلام"الإسلامي في زمانه إلا مرحلة متقدمة من مرحلة"عقلنة الإسلام وصورة من صور هذه"العقلنة"ما قبل عصر العلم الحديث، وقد أمكن تطوير هذا العلم - كما فعل النورسي - ليلائم العصر العلمي والكوني الذي نعيش أيامه."

ونكاد نلمس صدق هذا الكلام فيما نضح عن فكر"النورسي"من"وجدانيات"ارتفع ببراهينها العقلية حدّ اكثر العقول منطقيةً، وسما بها سموًا يكاد يلامس صفاء اعظم الأرواح الشاعرية شاعرية، ففي كلامه عن تدفق الحياة وسريانها الموسيقي المتناغم في أوصال الكون، وما تبثه من عزاء في نفوس المغتربين بإيمانهم وعقيدتهم يقول مخاطبًا طلبته:

"لو سكن طنين البعوض، وهدأ دوي النحل، وصمتت كل الأصوات، فلا تأسوا ولا تحزنوا، ولا تخمد أشواقكم، أو تضعف همتكم أبدًا.. لأن الموسيقى الإلهية العظيمة التي تجعل بنغماتها الكون في رقص وانتشاء، وتهز بأشجانها أسرار الحقائق، لن تسكن أبدًا، ولن تهدأ.. بل تستمر قويةً عاليةً هادرة تعلن عن مبدع الوجود الذي ينتهي إليه كل موجود".

أجل، إنها لن تسكن ولن تهدأ.. وتظلُّ تهتف بكم ومعها صوت النورسي آتيًا من وراء الغيب:

"انهض من جديد أيها المسلم العجوز.. شقَّ أكفان عجزك.. وانفض عنك تراب قبرك.. انبعث فتيًا ممتلئًًا حياة وقوة وعزمًا أيها الشيخ الفاني.. عد أيها الغريب المتواري وراء الزمان فقد طال شوق الدنيا إليك.. توارَ يا شتاء الروح.. وتفتح يا ربيع العقل.. وازدهري بأزهار الإيمان أيتها النفوس المجدبة.. تهللي يا غربة الإسلام.. وابتهجوا وابشروا يا خدام القرآن.. يا غرباء هذا العصر.. فرسولكم - صلى الله عليه وسلم - قد قال فيكم:"بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت