الصفحة 141 من 3036

وبعد ذلك كله يستخدم ما أفاده من هذه العلوم والمعارف في خدمة ( الإيمان ) القضية الكبرى التي كرس لها حياته، وأوقف عليها وجوده .

ولما كانت الموجودات في هذه الدنيا- كما ينظر إليها النورسي-"هي أمثلة مصغرة لوجود أخروي كبير . وأطياف خيال لحقيقة أخروية أعظم وأشباحا باهتة لرؤى فكرٍ أخرويّ غاية في السَعَةِ والشمول والدقة والعظمة . . لذا فإن كل موجود"هنا في عالمنا الصغير هذا موصول بما يناظره هناك، وكل معنىً هنا مرتبط بمعنى أسمى وأعظم هناك، فالدنيا مرتبطة بالآخرة، وحبُّ البقاء والكمال عند الإنسان هنا يؤكد معنى الخلود والبقاء والكمال هناك، و"الصُّورُ"الذي ينفخ فيه الربيع ليبعث من الأجداث مئات الألوف من أنواع النبات والحيوان والحشرات كلَّ سنة، إيماءة واضحة لصورٍ أكبر، وحشر أعظم يوم القيامة . والحافظة في مخّ الإنسان وهي بحجم حبَّةِ خردل، والتي تحتفظ بشريطٍ مسجلٍ لماضي الإنسان وما وقع له من أحداث، هي مثال مصغر لحافظة أخروية أوسع وأكبر تحفظ سجلًا كاملًا لتاريخ حياة الإنسان على هذه الأرض، ليعرض عليه في الآخرة عند مناقشته الحساب .

10-فكر"المعاناة"

وكلّ كلمة قالها أو خطّها أو أملاها على تلامذته إنما هي حقيقة بعيدة المنال، خاض إليها الأهوال، وقطع الفيافي والقفار، وعبر إليها بحورًا من حُجُبِ النفس والوجدان، وقاسى من أجل اقتناصها أشدَّ المقاساة، قبل أن تتجلى في سماء ذهنه مجلوة مشرقة مبرأة من ظلال الشكّ وسحائب الوهم كالشمس الطالعة في ضحى يومٍ صائفٍ .

وليس"النورسي"صاحب قلم باردٍ يغمسه في مداد فكر بارد، ليكتب ما يشاء وقتما يشاء، إنما هو المعاناة الجريحة المدّماة التي تنزف فكرًا فيه حرارة الروح، ودفء القلب، وإنما هو السحابة المثقلة بماء الحياة والتي لا يدري أحدٌ متى تبرق وترعد وتغيث، وإن شئت فاستمع إليه يقول في وصف حاله عندما كتب"مثنويه"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت