الصفحة 140 من 3036

وإن كانت"دولة الأدب"ترحب بقلم"النورسي"كواحد من أبرز أقلامها إلا أن قلمه الأكبر والأعظم كان اكثر انتماء، واشد تعلقا بدولة الإيمان رسالته الأخطر في عصره، فاختلاف العصور يوجب كذلك اختلافات في أنماط التفكير، واختلافات في أساليب تناول الإشكالات الفكرية والإيمانية التي يطرحها عصر دون عصر، فعصر"النورسي"هذا العصر الاكتساحي لكل ما توارثته البشرية من قيم دينية ومثل أخلاقية وفكرية عصر الشك حتى في بديهيات العقل، استدعى أنماطا من التفكير وأساليب من المعالجة لم يكن"الرومي"مُضْطَرًا إليها.

والامتزاج والتنافذ بين عقله المجنح وروحه المحلق، هو ميزة"أدب الإيمان"الذي كان"النورسي"واحدا من رواده الكبار في هذا العصر.

9-"النورسي"والفكر الأوروبي

وليس صعبا على"النورسي"ذي الذكاء الخارق والعقل الاستيعابي الشمولي أن يحيط بكليات الفكر الأوروبي الحديث، وَيَلُمَّ بفلسفاته وعلومه، ويطلع على إيجابياته وسلبياته، ويقف على تأثيراته في"الإنسان المعاصر"وفي تكوين أفكاره الجديدة، وتغيير نظرته إلى الوجود و الحياة، وأخيرا كيف دفع هذا الفكر بمعطياته المادية بشرية القرن العشرين، إلى هذا الموقف البارد واللامبالي من الدين والإيمان عند البعض، وإلى العداء الصريح عند البعض الآخر .

و"النورسي"بنزعته الموسوعية، ونظرته الشمولية التي كانت طابع حياته الفكرية والروحية منذ تَفَتُّحِ وعيه على الحياة، شغوف بالقراءة والدرس والتفحص والتأمل، يقرأ في علم النفس، ويدرس الفلسفة، ويهتم بفسلجة الإنسان التشريحية، ويلم إلمام المتخصصين بالرياضيات والفيزياء والكيمياء، وبعلمي الحيوان والنبات، ويتأمل في العلوم الفلكية، ويرصد ويطّلعُ على أحدث نتاجات الفكر الأوربي المترجمة إلى التركية من قبل بعض المرموقين من المثقفين الأتراك ويرصد النجوم من مرصد فلكي في مدينة"وان"كان قد استقدمه من"أوربا"أحد ولاة المدينة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت