الصفحة 139 من 3036

و"النورسي"تلميذ القرآن، وتلميذ رسول القرآن، يرى كتاب الله تعالى، وإن كان هو في الأساس كتاب إيمان وتوحيد وتشريع، إلا أنه كذلك كتاب أدب حي لا يموت، لأن منزل القرآن حي لا يموت، فالذي يأخذ عن القرآن يأخذ من حي عن حي، أما من يأخذ عن كتاب غيره فهو يأخذ من ميت عن ميت،"فمن أين تأتي الحياة من فاقد الحياة"كما يقول.

وما من أديب من أدباء العربية المرموقين في الماضي والحاضر إلا وهو متأثر بالقرآن بقدر أو بآخر، فهو خزين علوم العربية وكنزها الذي لا ينضب، منه تأخذ وإليه تعود فيما يَعُنُّ لها من إشكالات لغوية أو بيانية أو أدائية.

8-أدب الإيمان

والحس الشاعري والأدبي المرهف يطفر عفويا من قلم"النورسي"وهو يعالج قضايا إيمانية غاية في الأهمية، فعقله المجنّحُ يسابق روحه في استشرافاته على الأعالي من شؤون الإيمان، فعقله وقلبه عملا معا على إرساء قواعد معرفة إيمانية أراد"النورسي"أن تكون لها الصدارة بين معارف الإيمان.

وأكثر رسائله التي يبدو فيها حسه الأدبي والشاعريُّ واضحًا، ويفصح عن تلازم أبديٍّ بين عقله وقلبه كتابه الموسوم:"المثنوي العربي النوري"الذي استأنس في تأليفه بـ"المثنوي"لمولانا جلال الدين الرومي، إلا أن الفرق بينهما أن مثنوي الرومي كان بالفارسية، أما مثنوي"النورسي"فهو بالعربية، وهو وإن لم يكن شعرا كمثنوي الرومي إلا أن أنفاسه شاعرية أدبية بإجماع"النقّاد".

وفي منهجه في تأليفه للمثنوي يقول"النورسي":

إنه سلك سبيلا قلَّ سالكوه في تأليفه، إذ حاول السير مع العقل ولكن تحت نظر القلب، ومع القلب ولكن تحت نظر العقل.

ويقول: لو عشت زمن"الرومي"لكتبت"المثنوي"الذي كتبه، ولو عاش هو زماني لاضطر إلى كتابة"رسائل النور"التي كتبتها. وكلامه هذا ينمُّ عن خزين أدبي عظيم لم يستخدم منه إلا القليل الذي يخدم رسالته الإيمانية التي كرس لها حياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت