فهرس الكتاب
وكلام"النورسي"في مثنويه - رغم روحه الشاعرية - منزه عن هذا كله، فهو يتفاعل مع صور"الحقيقة"ويتحاور مع آثارها، ويناقش ظلالها على صفحة الوجود، وهو لا يفعل أكثر مما يفعله الرسّام البارع في الصور الباهتة وقد حَالَت خُطُوطها، وانطَمَسَت معالمها، واختلطت ألوانها، فيمرّ عليها بفرشاته المطواع ليبعث الدفء والحرارة فيما بَرُدَ من ألوانها، ويُجسِّم ما غام وشحب من معالمها، ويمنحها أبعادها التشكيلية، ويهب الرائي عمق الرؤية، ونفاذ النظر إلى دواخلها .
ولو أردنا أن نصف كتاب"المثنوي العربي النوري"لقلنا:
( إنه ليس سوى لوحة فنية رائعة الجمال، رسمها فكر ملتهب، وكوَّنها قلبٌ دامٍ، وسكب عليها الظلّ والضياء روحٌ حزينٌ مغترب، فلا عجب إنْ شَدَّت - هذه اللوحة - إليها الانتباه، وقيدت بها الأفكار، وحبست عليها الأرواح، وأوقفت لها القلوب .
وهي بموسيقية ألوانها، وتناغم ظلالها وأضوائها، وإشراق آفاقها، وامتداد أمدائها، وعمق أبعادها، وجمال تعبيرها، تأسر الألباب، وتَشْدَهُ النفوس، وتَهُزُّ رواكد الأشواق في الإنسان إلى"ما وراء"هذا العالم الضيق المحدود، وإلى ما وراء هذه الحياة التي مهما طالت فهي دون ما يرجوه من خلود، ودون ما يراوده من آمالٍ في البقاء والأبد ) (1) .
11 -البلبل
(1) انظر كتاب"مختارات من المثنوي العربي النوري"اختيار وتقديم كاتب هذا البحث في الصفحات 12 , 13 , 14 ، 15 ، 16 مطبعة الزهراء الحديثة / 1404 هـ - 1983 م / الموصل - العراق.