فهرس الكتاب
لكن المدنية المعاصرة أفرزت - من جهة أخرى - أوضاعا خرجت بالإنسان - في مستويات عدة من حياته - عن طوره الفطري، بحيث أورثه واقعه المتمدن صفات وأخلاقيات ونوازع تمادت على طريق أبعدته عن الاعتدال، وبالتالي عن الفضيلة، إذ تهالك في الاستهلاك، وتبلدت مشاعر المرحمة فيه، وتحجرت عواطفه تحت تأثير العناء اليومي الذي سببته المدنية الصناعية، والذي انعكس على الإنسان الغربي - وتبعه في ذلك الانسان الشرقي - في صورة قلق وتوتر مزمن، وفقدان لشهية الحياة، ونزوع متزايد نحو البهيمية والهروب نحو المجهول من المجهول ..
وفي هذا الإطار يقوِّمُ النورسي أوصاغ الإنسانية المعاصرة في ضوء الحضارة الحديثة، فيرى أن الانسان المعاصر قد غادر محطة القناعة والسكينة والرضى بالحظ المتاح من الحياة ..تلك المحطة التي ظل يستمد منها بهجته القلبية يوم أن كانت أوضاعه الاجتماعية لاتزال تتماس مع عهد البداوة..
لقد كان الناس في عهد البداوة - كما يقول النورسي - على قوامة من عفاف وتماسك وقناعة ..
فقد كانت".. تعوزهم ثلاثة أو أربعة أشياء، وكان اِثنان من كل عشرة أشخاص يعجزان عن تدارك تلك الأشياء الثلاثة أو الأربعة، بينما في الوقت الحاضر تحت سطوة المدنية الغربية المستبدة، المتميزة بإثارة سوء الاستعمال والدفع إلى الاسراف وتهييج الشهوات وإدخال الحاجات والمطالب غير الضرورية في حكم المطالب والحاجات الضرورية، فقد أصبح الانسان العصري، من حيث حب التقليد والإدمان، مفتقرا إلى عشرين حاجة بدلا من أربع منها ضرورية، وقد لا يستطيع إلا شخصان من كل عشرين شخصا أن يلبّوا تلك الحاجات العشرين من مصدر حلال بشكل متاح، ويبقى الآخرون الثمانية عشر محتاجين وفقراء . فهذه المدنية الحاضرة إذًا تجعل الإنسان فقيرا جدا ومعوزا دائما .." (1)
ويتحدث النورسي عن آفات المدنية المعاصرة، من حيث اختلال سبل التحصيل والكسب المعاشي فيقول:
(1) الملاحق ص 378