فهرس الكتاب
"..لقد ساقت البشرية - من جهة تلك الحاجة - إلى مزيد من الكسب الحرام، وإلى ارتكاب أنواع من الظلم والغبن، وشجعت طبقة العوام المساكين على الصراع والتخاصم المستمر مع الخواص، وذلك بهجرها القانون الأساس الذي سنه القرآن الكريم القاضي بوجوب الزكاة وتحريم الربا والذي يحقق بواسطتهما توقير العامة للخاصة، ويوفر بهما شفقة الخاصة على العامة.. فبهجرها ذلك القانون الأساس أرغمت البرجوازيين على ظلم الفقراء وهضم حقوقهم، وأجبرت الفقراء على العصيان والتمرد في معاملاتهم معهم، فدمرت سعادة البشرية، وراحتها، وأمنها واطمئنانها وجعلتها أثرا بعد عين..". (1)
ثم يسجل النورسي بعد هذا، مدى التحول السلبي الذي عرفته طبقات من الناس، لا سيما النخب والأرستقراطيات، ممن توفرت لها نعم ومنجزات مدنية علمية .. فهولاء فقدت طوائف منهم همة الحياة بمعناها الفعال، واستناموا للاستهلاك وإشباع النزوات .."إن ما أنجزته هذه المدنية الحاضرة من خوارق - في ساحة العلم - نعم ربانية تستدعي شكرا خالصا من الإنسان على ما أنعم عليه، وتقتضي منه كذلك استخداما ملائما لها لفائدة البشرية ومنفعتهم، بيد أننا نرى الآن خلاف ذلك، إذ تقود تلك الخوارق قسما من الناس - الذين لهم أهمية بالغة في الحياة - وتوردهم موارد الكسل والسفاهة .. إذ أنها تذكي نار الأهواء النفسانية، وتثير كوامن النزعات الشهوانية، فتقعد الانسان عن الكد والسعي وتثنيه عن الشوق إلى العمل وتسوقه - بعدم القناعة وعدم الاقتصاد - إلى السفاهة والإسراف والظلم وارتكاب المحرمات". (2)
(1) الملاحق ص 379
(2) م.ن. ص379.