فهرس الكتاب
وفي هذا السياق يضرب النورسي مثلا بنعمة الراديو التي استخدمها الإنسان المستهتر في إثارة الأهواء والإشغال عن الأداءات البناءة والواجبات النافعة، وفي إشاعة العواطف الجارحة والأخلاق الفجة.."الراديو نعمة اِلهية عظيمة على البشرية، فبينما تقتضي شكرا معنويا منا عليها، وذلك باستخدامها لمصلحة البشرية كافة، نرى أربعة أخماس استعمالاتها تصرف في إثارة الأهواء النفسانية، وإلى أمور تافهة لا تعني الانسان في شيء، فتجتث جذور شوق الانسان إلى السعي وتوقعه في الكسل والإخلاد إلى الراحة والاستمتاع بالاستماع إليها، حتى يدع الإنسان وظيفة حياته الحقيقية، وفي الوقت الذي يلزم توجيه قسم من الوسائط والوسائل الخارقة، النافعة، وصرفها في تيسير مصالح البشرية الحقيقية واستخدامها في سبيل السعي والعمل لأجل خير البشرية وتوفير حاجاتها الحقيقية وتذليل مشاقها، فقد رأيت بنفسي أنها لا تصرف إلا إلى واحد أو اثنين من عشرة في تلبية تلك الحاجات الضرورية، وتساق الثمانية الباقية من العشرة إلى اللهو والاسترسال في إثارة الهوى والاسترخاء والدعة والكسل وقضاء الوقت.." (1)
ولا شك أن حكم النورسي على هذا الوسيط الاجتماعي الخطير - الراديو - كان طليعيا، لا شائبة من تزمت فيه، بالنظر إلى مواقف النفور والرفض التي رأينا أوساطا من رجال الدين تقفها من كثير من المستحدثات التي كانت تمثل في نظرهم عتبة خطيرة من التحلل والخروج عن الإيمان .
.. فالانسان في نظرهم كان بتلك المستحدثات يباشر مرحلة الكفرالصراح، من خلال اقترافه بائقة التَّرَبُّب . إذ أن مستحدثاته تلك كانت ضربا من الشرك والتجسيد ومناددة الخالق، ومن ثمة لم يسع تلك الأوساط حيال بعض ما كانت الحضارة الغربية تحرزه من تقنية صناعية تسخيرية وارتقائية، إلا الإفتاء بحرمتها أو باستنكارها..
(1) م.ن. ص379.