فهرس الكتاب
لكن نظرة النورسي التي قدرت أهمية تلك المستحدثات والخير العميم الذي يمكن لها أن تؤديه للانسان ولصالح ترقيته وتزكيته، راحت تسدد استخدامها نحو النفع الحقيقي ونشر الفضيلة.. من هنا وجدناه ينوه بها ويريدها أن تكون وسائل تخدم الإنسان وتوفر له من أسباب السمو الروحي والجمام النفسي والعقلي ما يساعده على تحمل أعباء التعمير، محذرا من مغبة انسياقها - تحت مسوغات خسيسة - في طريق تثمير الضعف البشري وتصوير مباذله لمقاصد لاهية، بل داعرة..
لقد كان النورسي يريد أن تكون وسائط الإعلام ملتزمة بمنهج بنائي، يفيد الأمة في تطوير نفسها، لكن هذه الوسائط وجدت نفسها تسير في اتجاه لا أخلاقي، اتجاه يشيع الفاحشة، ويغوي النفوس، ويهيؤها لتقبُّل الحطة الاجتماعية والنفسية باسم الواقعية ..
لقد خدمت الوسائط الإعلامية بما فيها الفنون، الإيديولوجية اليهودية الفتاكة، إذ كيفت مواد بثها مع تعاليم العهد القديم التي قامت على تدنيس الأنبياء وتعهيرهم وهتك الحرمات وتلقين الشذوذ الجنسي على نحو أو آخر .. وهو ما استُثْمِرَتْ فيه تلك الوسائط على نطاق واسع انتهى بها إلى ما هي عليه اليوم من انحلال وتهتك، الأمر الذي جعل الوسائط الإعلامية من أخطر ما يتهدد القيم والروحيات الطاهرة في الوقت الراهن..
إنها - حقا- باتت تشكل مصدرا أهوج للفتك بالأخلاق الطاهرة وتوطيد الرذيلة في الحياة ..
لقد بنت المدنية الغربية المعاصرة فلسفتها الاجتماعية والفكرية على قيم مادية ونفعية ملموسة، من هنا غيبت في تعاملاتها البعد الغيبي الإلهي، وهو ما قوى من روح الابتزاز فيها .. وإذا كانت نظمهم قد طفقت تراعي نوعا من الخدمة العمومية ،أو الإحسانية المقننة، فإن لهفتهم على خيرات الغير وافتراسهم لثروات ومقدَّرات الشعوب التي غلبوها قد أعطت الدليل على جفاء روحي وعاطفي لا مكان معه لما يسمى بالإنسانية ..