الصفحة 1509 من 3036

لقد كرست آداب وقوانين المدنية المعاصرة نزعة العنصرية في أمم الغرب، وإن تقنعت سياساتهم بشعارات تنادي بحقوق الانسان .. شعارات موظفة - غالبا - لمقاصد تدخلية، ولتغطية شيء من شراسة الانسان الغربي..

"إن المدنية الغربية الحاضرة لا تلقي السمع كليا إلى الأديان السماوية، لذا أوقعت البشرية في فقر مدقع وضاعفت من حاجاتها ومتطلباتها، وهي تتمادى في تهييج نار الاسراف والحرص والطمع عندها، بعد أن قوضت أساس الاقتصاد والقناعة، وفتحت أمامها سبل الظلم وارتكاب المحرمات، زد على ذلك فقد ألقت - بذلك - الانسان المحتاج المسكين في أحضان الكسل والتعطيل المدمر، بعد أن شجعته على وسائل السفاهة، وهكذا بددت الشوق لديه إلى السعي والعمل ،فأضاع الانسان عمره الثمين سدى، باتِّباعه هوى المدنية الحاضرة، وبسيره وراء سفاهتها ولهوها..". (1)

لقد تفاقمت ترديات هذه الحضارة واستشرت بطالتها الروحية، وظهر ذلك - مثلا - على صعيد الواقع الصحي للإنسانية، إذ البهيمية التي باتت تمارس بها الفواحش، قد أغلت أدواء شيطانية فتاكة، وجعلت الانسان المُكرَّمَ يتحول بسوء سيرته إلى بوتقة شريرة لنشر أعضل الأدواء.."لقد ولدت المدنية في الانسان المعوز العاطل أمراضا وأسقاما وعللا، إذ أصبحت وسيلة إلى انتشار مئات من الأوبئة والأمراض في أرجاء المعمورة، بثتها في الأوساط، بسوء الاستعمال والاسراف." (2)

ومن غير شك أن هذه النظرة الإدانية من النورسي قد استشرفت ما يتهدد الانسان من الأمراض والشراسات الناتجة عن انغماسه المنحرف.. وليست آفة السيدا التي تحصد البشر اليوم بالجملة إلا بعضا مما استشرفه النورسي وهو يحصي خطايا هذا العصر وإغواءات مدنيته ..

(1) الملاحق ص380.

(2) م.ن. ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت