فهرس الكتاب
وزيادة على ذلك فقد دمرت هذه الحضارة قابلية التوازن الداخلي للانسان المعاصر، بعد أن أشاعت في البيئات والمجتمعات عقيدة الإلحاد التي أوشكت أن تجر البشرية إلى الطريق المسدود، إذ أفقرتها، وسفهت أحلامها، وتردت بها في واقع مدني موبوء، وصوَّرت لها الحياة مسرحا للعبث واللامعقول .."ففضلا عن هذه العلل الثلاثة التي ولدتها المدنية وهي: الحاجة الماسة، والميل إلى السفاهة، وكثرة الأمراض المذكرة بالموت، فإنه بتفشي الإلحاد وتوغله فيها، استيقظت البشرية من غفوتها، وإذا بالمدنية تهددها باستمرار، باظهار الموت تجاهها، اعداما أبديا، فجرعتها نوعا من عذاب جهنم في الدنيا.." (1)
وإزاء كل هذه الترديات والتشوهات التي أصابت فطرة الإنسان وتدنَّت به، يضع النورسي المنهج الرباني القرآني دواء لعلل ومعضلات الحضارة .
الفرق بين الاسلام والنصرانية
لا كهنوتية في الاسلام.. والاسلام ملاذ الجماهير المغبونة
يؤكد النورسي أن الإسلام، بخصوصياته الفطرية الجلية، وبسماحته، وجوهرية مبادئه، واجتماعيته، قد تجاوز مبدأ الترتيب الكهنوتي والوسيطية التشفعية، وهو ما أعطاه طابعا شعبيا أو جماهيريا، فلا مجال لمقامية الامتياز الروحي في الإسلام إلا ما كان من منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه، باعتبارهم كانوا الألصق بالنزول وبالدعوة ..
من هنا كان التفاضل المعنوي الذي حازته تلك الأجيال من السلف لا يشهر عن نفسه إلا لمقاصد الأسوة والاقتداء، ذلك لأن مناط العبرة فيه هو تثبيت الإيمان وكفالة المزيد من الإخلاص للدين والمداومة على أداء العمل الصالح..
على عكس الحال في النصرانية، إذ الترتيبية الكهنوتية، والسيادة الإعتبارية مرعية في نظامها القداسي، بحيث لا يتحقق الفعل الديني، أو الشعائري إلا في حضرة الكاهن، ووفق طقوسية بروتوكولية محورها القس ولوازم القداس.. فبدعواته وتبريكاته تستمد الجماعة الشفاعة والمغفرة من الرب..
(1) م.ن. ص