فهرس الكتاب
يلاحظ أن النورسي اقتصر في حديثه على هذه الآية مع أن الآية التي قبلها ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ) تكررت معها في مواضعها الثمانية، ويؤكد النورسي على أهمية إعادة هذه الجملة تعقيبا على كل قصة من قصص الأنبياء المذكورة في السورة، لشناعة فعل التكذيب من أقوامهم، ولعل في سورة الشعراء إشارة أخرى إلى شناعة ما فعله أولئك الأقوام حين نسب الله تعالى إلى كل قوم منهم تكذيب المرسلين (1) مع أنهم إنما كذّبوا رسولهم، ولكنها الفعلة الشنيعة العظيمة التي استحقوا معها أن ينسب إليهم تكذيب جميع المرسلين.
وقد أشار إلى أهمية هذا التذييل لقصص سورة الشعراء عدد من المفسرين كالزمخشري إذ قال:"كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وتثبيتا لها في الصدور … ولأن هذه القصص طرقت بها آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا أو يفتق ذهنا أو يصقل عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ" (2) ، وقال ابن عاشور:"ختم كل استدلال جيء به على المشركين المكذبين بتذييل واحد هو قوله:"إن في ذلك لآية.."تسجيلا عليهم بأن آيات الوحدانية وصدق الرسل عديدة كافية لمن يتطلب الحق، ولكن أكثر المشركين لا يؤمنون، وأن الله عزيز قادر على أن ينزل بهم العذاب، وأنه رحيم برسله فناصرهم على أعدائهم". (3)
3-قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) . (4)
(1) كما في قوله تعالى:"كذبت قوم نوح المرسلين"الآية 105، وتنظر الآيات 123، و141، و160، و176.
(2) الزمخشري، الكشاف، 3/126.
(3) ابن عاشور، التحرير والتنوير، 19/90.
(4) وردت هذه الآية في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة.