فهرس الكتاب
والاهتمام باللفظ قبل المعنى، وبالشكل قبل المحتوى، انتكاسة أدبية وحضارية تعتري الأمة في حال ضعفها، وعندما يصاب عقلها بالوهن والهزال، وقد مرت بهذه الأمة هذه الانتكاسة في فترات سود من تاريخها الأدبي والفكري، ومازالت - مع الأسف الشديد- بقايا هذه الظاهرة المرضية تطل برأسها بين الحين والآخر من أقلام البعض من أدباء هذه الأمة على الرغم من الجهود المضنية التي بذلها ويبذلها النقاد لإنقاذ الأقلام من آثار هذا النهج المرضي.
و"النورسي"أديب أفكار ومعان، وصاحب رسالة إيمانية يريد أداءها إلى قرائه من أقصر الطرق، مقتصدًا بالكلمات ما وسعه ذلك، فأسلوبه أسلوب برقي تلغرافي- إذا صح التعبير- يعنى بالفكرة ووصولها إلى القارئ بشكل عفوي دون زخارف كلامية، أو طبول لفظية فارغة.
وفي تحليله لأسباب رواج أدب الألفاظ في بعض فترات تاريخ الأمة يقول"النورسي":
"يخبرنا التاريخ بأسف بالغ إنه: لما انجذب الأعاجم بجاذبة سلطنة العرب فسدت بالاختلاط ملكة الكلام المضري، التي هي أساس بلاغة القرآن، إذ لما تعاطى الأعاجم والدخلاء صنعة البلاغة العربية، حولوا الذوق البلاغي من مجراه الطبيعي للفكر، وهو نظم المعاني إلى صنعة اللفظ، وذلك إن المجرى الطبيعي لأنهار الأفكار والمشاعر والأحاسيس إنما هو نظم المعاني، ونظم المعاني: هو الذي يُشَيَّدُ بقوانين المنطق. وأسلوب المنطق: متوجه إلى الحقائق المتسلسلة…والفكر الواصل إلى الحقائق: هو الذي ينفذ في دقائق الماهيات ونسبها…هي الروابط للنظام الأكمل في العالم، والنظام الأكمل: هو المندمج فيه الحسن المجرد الذي هو منبع كل حسن. وتلك الجنة المزهرة ودقائق الماهيات ونسبها: هي التي تجول فيها بلابل عاشقة للأزاهير المسماة بالشعراء والبلغاء وعشاق الفطرة…ونغمات تلك البلابل يمدها صدى روحاني هو نظم المعاني".
ويمضي قائلا: