فهرس الكتاب
(اعلم! انه يلزم لمثل هذه التزيينات والكمالات والمناظر الحسنة وحشمة الربوبية وسلطنة الألوهية، من مشاهد لها، ومتنزه بها، ومتحير فيها، ومتفكر ينظر إلى أطرافها ومحاسنها، فينتقل منها إلى جلالة صانعها ومالكها واقتداره وكماله.
نعم، إن الإنسان مع جهالاته وظلماته له استعداد جامع كأنه أنموذج مجموع العالم، واُودع فيه امانةٌ يفهم بها الكنز المخفي ويفتحه. ولم يُحدد قواه، بل اُرسلت مطلقة فيكون له نوع شعور كلي بشعشعة كمال حشمة جلال سرادق جمال عظمة ألوهية سلطان الأزل. وكما أن الحُسن يستلزم نظر العشق، كذلك ربوبية النقاش الازلي تقتضي وجود نظر الإنسان بالتقدير والحيرة والتحسين والتفكر، وتستلزم ايضًا بقاء ذلك المتفكر المتحير إلى الأبد ورفاقته لما تحير فيه في طريق أبد الآباد.
نعم، إن من زيّن وجوه الازاهير كما أوجد لها عشاقًا مستحسنين من أنواع الذبابات والعصافير، وزيّن خدود الملاح فأوجد لها أنظار المشتاقين الوالهين.. كذلك من زين وجه العالم بهذه الزينة الجاذبة، ونوّر عيونه بهذه المصابيح المتبسّمة وحسّنه بأنواع المحاسن المتلألئة، وادمج في كل نقش بكمال الوضوح توددًا وتعرفًا
وتحببًا، لا يخليه من أنظار مشتاقين متحيرين متفكرين منجذبين عارفين بقيمة كل؛ فلجامعية الإنسان صار الإنسان الكامل سبب خلق الأفلاك علة غائية له وثمرة له.. ) (1) .
22-"النورسي"ناقدًا
إن عظمة الفكرة وصدقها وأصالتها، هي التي تعطي الكلمات والألفاظ التي تحملها شيئًا من خصائص عظمتها وقوتها، فيصبح اللفظ - مطية الفكر - قويًا وعظيمًا بعظمة ما يحمل من أفكار يراد منه التعبير عنها مهما كانت درجة هذا اللفظ متواضعة في رأي البلاغة والجزالة . ويبقى الكلام ضعيفًا وهشًا عندما تكون الفكرة بحد ذاتها ضعيفة وهشة، مهما حاول صاحبها أن يزين كلامه ويموهه في عيون قرائه .
(1) المثنوي العربي النوري - النورسي ص 311 وانظر المختارات ص 67 - 68 .