فهرس الكتاب
وذكر سيد قطب حادثة حصلت معه أثناء رحلته البحرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام بخطبة الجمعة وأداء الصلاة على متن السفينة مع عدد من ركابها، وكان مشهدًا لفت انتباه الآخرين، إلا أن"سيدة من هذا الحشد، عرفنا فيما بعد أنها يوغسلافية هاربة من جحيم تيتو وشيوعيته، كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها، جاءت تشد على أيدينا بحرارة، وتقول - في إنجليزية ضعيفة - إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح،... ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول:.... إن الموضوع الذي لفت حسي، هو أن الإمام كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه، نوع أكثر موسيقية وأعمق إيقاعًا، هذه الفقرات الخاصة كانت تُحدث فيَّ رعشة وقشعريرة، إنها شيء آخر، كما لو كان الإمام مملوءًا من الروح القدس، - حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها - وتفكرنا قليلًا، ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة، وفي أثناء الصلاة، وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئًا، وليست هذه قاعدة كما قلت، ولكن وقوع هذه الحادثة، ووقوع أمثالها مما ذكره لي غير واحد ذو دلالة على أن في هذا القرآن سرًا آخر تلتقطه بعض القلوب لمجرد تلاوته..." (1) .
(1) - سيد قطب، في ظلال القرآن، 4/421-423 .