فهرس الكتاب
أورد سيد قطب في تفسير سورة النجم استشكالَه حادثةَ سجود المشركين لما قرأ عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - سورة النجم وسجد في آخرها وسجدوا معه، وبحثَه عن تعليل لها، فحديث الغرانيق غير مقنع ولا مقبول سندًا ولا متنًا (1) ، قال:"لقد بقيت فترة أبحث عن السبب الممكن لهذا السجود، ويخطر لي احتمال أنه لم يقع، وإنما هي رواية ذكرت لتعليل عودة المهاجرين من الحبشة بعد نحو شهرين أو ثلاثة، وهو أمر يحتاج إلى تعليل، وبينما أنا كذلك وقعت لي تلك التجربة الشعورية الخاصة ... كنت بين رفقة نسمر حينما طرق أسماعنا صوت قارئ للقرآن من قريب، يتلو سورة النجم، فانقطع بيننا الحديث لنستمع وننصت للقرآن الكريم، وكان صوت القارئ مؤثرًا وهو يرتل القرآن ترتيلًا حسنًا، وشيئًا فشيئًا عشت معه فيما يتلوه،... وارتجف كياني تحت وقع اللمسات المتتابعة في المقطع الأخير من السورة... فلما سمعت (فَاسْجُدُوا للهِ وَاعْبُدُوا) كانت الرجفة قد سرت من قلبي حقًا إلى أوصالي، واستحالت رجفة عضلية مادية ذات مظهر مادي، لم أملك مقاومته، فظل جسمي كله يختلج، ولا أتمالك أن أثبته، ولا أن أكفكف دموعًا هاتنة، لا أملك احتباسها مع الجهد والمحاولة، وأدركت في هذه اللحظة أن حادث السجود صحيح، وأن تعليله قريب، إنه كامن في ذلك السلطان العجيب لهذا القرآن، ولهذه الإيقاعات المزلزلة في سياق هذه السورة..." (2)
(1) - حديث الغرانيق: فيه تعليل سجود المشركين بأقوال بعيدة منها أن الشيطان ألقى في آذان المشركين عبارةً فيها مدح لآلهتهم،وهم يظنونها من جملة الآيات المتلوة فسجدوا، وهو حديث باطل غير صحيح، رده كثيرون، يُنظر مثلًا: ابن الجوزي، زاد المسير، والشوكاني، فتح القدير، 3/462، والغرانيق: جمع غرنوق وهو طائر مائي أبيض طويل الساق جميل المنظر (إبراهيم مصطفى ورفاقه، المعجم الوسيط، مادة غرنق، 2/657) .
(2) - سيد قطب، في ظلال القرآن، 7/636 و 637، ومعنى هاتنة: متتابعة (إبراهيم مصطفى ورفاقه، المعجم الوسيط، مادة هتن، 2/980) .