ومما لا ريب فيه أن رسائل النور - من خلال منهج الفقه الأكبر الذي انبنت عليه - قد أزالت عن سياق الرؤية والأفكار والأحكام صبغة التاريخية والمحلية، ذلك لأن النورسي كان يفاعل أوضاعا ومعاينات وضغوطا ملموسة، وكان يتصدى لمواجهات ميدانية اختراقاتها تنجم أمام عينه وتحت عناوين وشعارات معلومة وبأيدي وجوارح أشخاص وتنظيمات وقوى حية، معروفة، ومتحركة على أرض الميدان .
لكن فكر النورسي عزل عن فواعل الصراع تلك محايثاتها التشخيصية، إذ تعاطى معها في سياق فوق تاريخي، من خلال مواجهة الفعل ليس برد فعل آلي من جنسه، ولكن بتفعيل يستوعب الشروط الموضوعية التي كانت مصدر ميلاد ذلك الفعل ويتجاوزها إلى صعيد يتكفل بوضع بدائل لها تزيل عنها عدوانيتها ..
فالارتفاع عن المرحلية تتأتى للنورسي من خلال ذلك الترفع الذي جعله يقرأ المسرحية من خارج الركح، وليس طرفا فيها تغمره الأضواء تارة وتهمشه الأدوار تارة أخرى.
ومن غير شك أن السياسة خسرت في شخص النورسي فاعلا جبارا في المدافعة وفارسا لا يشق له غبار في الاستباق لو أنه تخطى استعداداته ونزل ساحتها..
ومن الثابت عندئذ أن النورسي كان يغدو رقما مربحا، لكنه بكل تأكيد لن يحقق من الرهانات إلا كل ظرفي وطائفي ومستهلك زائل.
ومن الوفاء للنورسي وكافة الصالحين والمصلحين ممن وهبوا أرواحهم في سبيل رفعة الأمة ونصب رايتها أن تحشد الجهود من أجل التقدم بالدعوة الإصلاحية إلى أصعدة أرقى وأكثر تفعيلا..
فمن غير الرشد أن نستنيم لترديد المواعظ وتبنِّي شعارات النصح والمُضِيِّ على هدهدة مشاعر الارتياح والرضى عن الذات .. إذ لا يكفي المرء أن يعلن عن محالفته لأهل الإيمان واصطناع شارتهم ليتبرر تخففه من التبعات إزاء الأمة والحضارة والتاريخ وإزاء جهد الجاهدين، ويتوهم أنه أدى ما عليه ..