فترجيح الجانب الدنيوي في الآثار إنما يوقعها - ببساطة - في الصبغة الإيديولوجية، فهي عندئذ انعكاس للواقع ورصد له من زاوية الموقع العقدي الذي تصدر عنه رؤية الفاعل.. الأمر الذي يجردها من شرط استمراريتها التجنيدية خارج صعيد الجغرافية والتاريخ الذي ظهرت فيه .
فالخطاب الإيديولوجي لا بقاء له، إذ مسيرة الزمن والمراحل المتعاقبة تحسمه، على عكس الخطاب التعبدي، خطاب الخدمة والسلوك .. فهو معطى روحي مفتوح على ثبات الفاعلية والتأثير، مستقطِب للقابليات باستمرار، ومحاور للإنسان في كل زمان ومكان.. إذ لابد لخطاب الخدمة الإصلاحية كي يحوز شرط الاستمرارية وحق الدوام، أن يتجاوز آلية الارتجال الانفعالي والتسديد بسهام الذات ونعرتها، إذ هما سبب تَعَفُّرِ أنْفِ الخطاب في وحل الظرفية. من هنا كان لابد لخطاب الخدمة من رجاحة قداسة، كي يخترق حدود المرحلية وكي يتجهز بخاصية المرموزية.
أجل إن الرسائل تفسير حشْدي إصلاحي، ومدونة جهاد تعبدي، وسِفْرُ تعبُّدٍ جهادي لا غبار عليه، من هنا حازت طبيعتَها الحية وامتلكت مرموزيتَها المتجاوبة مع كل الأجيال .. وقد ترى أفكار دعاة العصرنة في بعض مقررات النورسي تزمتا، لا سيما في تلك المسائل العامة التي عالجها من منظور ترشيدي لا إسراف فيه، وخص بها مجالات الترفيه والتسلية والإبداع مثلا.
والجواب أنه ليس كحالنا التي انتهينا إليها في هذا المجال رد على حكمهم ذلك، إذ لم يثمر إنغماسنا وأخذنا بالقيم الليبيرالية واللائكية وبعبثيتها إلا تبديدا منكرا لقيمنا.
لقد مُسخنا على صعيد شامل، حتى أضحى كل عاقل يتساءل بخوف هل لهذا التردي من نهاية؟ وبتنا نتصور أحوالا للأجيال الصاعدة صادمة للنفس، طاعنة للكرامة الإنسانية، إذا استمرت عجلة التردي - لا سمح الله - على هذه الوتيرة المنحدرة.
ولو تساءلنا أخيرا فيم يختلف النورسي عن دعاة زمانه، بل وعن الدعاة في سائر الأزمنة حتى يحظى بهذا التميز؟