لقد كان لنا في النورسي أروع نموذج على الاستماتة ليس فقط في الدعوة، بل وفي قهر العوائق المفروضة على الذات والمقيدة للحركة والخانقة للحرية والمناهضة للمبدإ .. لقد أوجد شروط الخدمة من العدم، وجهز الفيالق من لا شيء، سوى أنه استلهم سيرة نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) ذاك الذي بنى الحضارة من حفنة رمل جعلها سدا بينه وبين الأعداء، ومضى تحت جنح الليل يشيع النور والسلام.
وإذا تساءلنا لِمَ لَم يتواصل النورسي مع علماء عهده، ألم يكن من الأجدر له أن يمد يده إلى طبقة العلماء في حاضرة الخلافة ليشرع بما يكلفه له ذلك المدد من طاقة في العمل والسعي؟
والجواب البديهي هو أنهم كانوا إما منجرفين مع الأعداء، أو كانوا متفرجين، أما من كان على صلاح منهم فقد صُفِّيَ أو شُرِّدَ أو أُقْبِرَ حيًّا كما حصل للنورسي، وعلى تلك الحال لم يكن بد للنورسي من أن يمضي وحيدا في سعيه رغم رسوفه في القيد .. ولولا همة جبروتية رعتها إرادة ربانية لكانت أحوال تركيا اليوم غير الأحوال .
على أنه لابد من ملاحظة أن تلك الظروف القاسية التي عاشها النورسي قد ساهمت في تهييئ ظروف استزراعٍ موفَّقة، من حيث استهدفت الدعوة النورية قاعدة المجتمع وأوساطه الشعبية الواسعة، حيث تتقوى القابلية ويتوفر الاستعداد.. فتجديد البذرة اقترن بتجديد التربة وهو ما جعل المُزارع - في نهاية المطاف - يغادر العالم قرير العين واثقا من فلاح جهوده.
ولو أن النورسي رجح كفة الواقع على كفة التأمل الروحي والتوحيدي في ما كتب وفي ما ترك لنا من آثار، لما كانت رسائل النور، ولكان المحصول تراثا تسجيليا لسجالات مرحلية لا تصلح إلا كمدونة توثيق تاريخي، بل حتى صلاحيتها التوثيقية تلك تظل نسبية، لما تتميز به - عادة - مثل تلك الكتابات من ذاتية ومن رؤية شخصية لا تستجيب لمعيار الموضوعية على كل حال..