الصفحة 172 من 3036

أي أعماق مجهولة غامضة يسبرها قلم هذا الرجل العجيب في أكوان الروح وفي سماوات القلب ؟ ! حتى إذا أوغل صعدًا، وعلا مشارفًا، تراءت له"الدنيا"من الأعالي فإذا هي باطل في باطل، وعَرَضٌ زائل، وخيال ذاهب .. وإذا بفضاء الروح يشتعل ببوارق الأبدية الخاطفة، ولوامعها الكاشفة، وإشاراتها الهادية .. حتى إذا عاد من رحلته تلك توجه إلى الإنسان هاتفًا:

أيها الإنسان المقهور الذاهب في حزنه وأساه .. توقف . . .عد .. لا تيأس .. ها هو بسيط الأبدية يَمْتّدُ أمام ناظريك، أمّم نحوه .. سر إليه .. اجتز شعابه ثم الق بنفسك في أحضانها وبين يديها .. ماذا تنتظر أيها الإنسان .. أجزاء من نفسك ذهبت دفينة الماضي .. وها هي أجزاء أخر يضمها رمس يومك .. وبقاياك سيحملها الآتي من الزمان إلى ظلمة قبرك .. فما المنقذ ؟ وكيف ؟ وأنَّى ؟ قلبك زورق نجاتك فدعه يأخذك إلى ضفاف الأبدية .. روحك سفينة خلاصك فدعها تأخذك إلى أبواب الخلود .. عبراتك المرار جمرات نار أحرقت فؤادي .. وويلات الفزع المرعب من أَشداق الفناء ملأتني إشفاقًا عليك .. جئت لأحمل إليك عزاءً مفعمًا بالأمل والرجاء في عالم أخروي لا موات فيه ولا فناء لتقر عينًا، وتفرغ روعًا .. إزْجاؤك للأبدية .. أو إزجاء الأبدية إليك صار أكبر همي، وأعظم حملي، ومحور رسالتي .. أنا ما أتيتك بجديد فقلم القدرة قد كتب في فطرتك ميلًا إلى الأبد، وأملًا في الخلود .. أنا جئت أذكرك فقط بفطرتك وبما تنطوي عليه روحك من معاني الأبد والخلود.

والآن اصغ إلى"النورسي"في هذه المناجاة اللهيفة الصادقة المنبثقة من أعماق قلبه حيث يقول: (يا رب . . ! لقد بحثت في الجهات كلها"الجهات الست"فلم أجد دواءً لدائي .

فنظرت إلى اليمين، وإذا بقبر أبي بالأمس .

ورنا بصري نحو اليسار، فإذا قبري في الغد .

وهذا اليوم هو تابوت يحمل جسمي المضطرب .

فجنازتي ماثلة أمامي فوق رأس عمري .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت