الصفحة 171 من 3036

( اعلم . . ! إنّ للمحيط الزماني والمكاني تأثيرًا عظيمًا في محاكاة العقول. . ! فإن شئت فتعال نخلع هذه الخيالات الزمانية والعصرية والمحيطية، ونتجرد من هذا اللباس الملوث، ثم نخوض في بحر الزمان السيال، ونسبح فيه إلى أن نخرج إلى عصر السعادات التي هي الجزيرة الخضراء فيما بين العصور والدهور، فلننظر إلى جزيرة العرب التي هي المدينة الشهباء في تلك الجزيرة الزمانية . ولنلبس ما نَسَجَ لنا ذلك الزمان، وخاطه لنا ذلك المحيط، حتى نزور ولو بالخيال - قطب مركز دائرة الرسالة، وهو على رأس وظيفته يعمل .

فافتح عينيك وانظره . . ! فأن أول ما يتظاهر لنا من هذه المملكة: شخص خارق له حسن صورة فائقة، في حسن سيرة رائعة، فها هو آخذ بيده كتابا معجزًا كريمًا، وبلسانه خطابًا موجزًا حكيمًا، يبلغ خطبة أزلية ويتلوها على جميع بني آدم، بل على جميع الجن والأنس، بل على جميع الموجودات .

فيا للعجب ..! ما يقول ..؟ نعم، يقول عن أمر جسيم، ويبحث عن نبأ عظيم، إذ يشرح ويحل المعمى العجيب في سر خِلْقَةِ العالم، ويفتح ويكشف الطلسم المغلق في سر حكمة الكائنات ويوضح ويبحث عن الأسئلة الثلاثة التي أشغلت العقول، وأوقعتها في الحيرة. إذ هي الأسئلة التي يسأل عنها كل موجود وهي: من أنت ؟ومن أين ؟ وإلى أين ؟) (1)

ثم يستطرد قائلًا: ( أنظر إلى هذا الشخص النوراني كيف ينشر من الحقيقة ضياء نوارًا ومن الحق نورًا مضيئًا حتى صير ليل البشر نهارًا وشتاءه ربيعًا، فكأن الكائنات تبدل شكلها فصار العَالَمُ ضاحكًا مسرورًا بعدما كان عبوسًا قمطريرًا ) (2)

25-الفناء والأبد

(1) المثنوي العربي النوري ص69.

(2) المصدر نفسه ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت