الصفحة 176 من 3036

لماذا المجاز - يا عشاق -إذا كانت الحقيقة أقرب إلينا منه .. ولماذا نرمز ونُكَنّي إذا كنا قادرين على أن نشير ونصرح .. ولماذا الركض وراء السرابات إذا كانت الينابيع الثرى تجري من تحتنا .. ؟

كل جمال على الأرض هو رمز لجمال في السماء، والحسن في عالم الشهادة خيال لحسنٍ في عالم الغيب .. والمحبوبات والمعشوقات هنا على الأرض إنما هي أطياف وظلال وخيالات وصور عكستها مرايا المغيبات .. وما يظنونه في المعشوق من بقاء فهو وَهْمٌ وإلى زوال سيمضي .. وما يزعمونه من خلود فسيلتهمه الفناء يومًا ما .

فالجمال عند"النورسي"مجازي وحقيقي، فالمجازي وَهْمٌ لا يسعد قلبًا ولا يروي روحًا، لأنه زائل حائل لا ثبات له ولا بقاء، أما الحقيقي فهو روح الروح، وحياة القلب، يبقى ببقاء العاشقين، ويبقون هم ببقائه، ويخلدون بخلوده، ويحيون بحياته، فالقلوب له خُلِقَتْ وله رُصدت، وأي انحراف عنه إنما هو انحراف عن جوهره وحقيقة فطرته لابد أن يعاني من جرّائه شتى صنوف الألم والعذاب، وإلى ذلك يشير النورسي قائلًا:

"اعلم! أيها السعيد المجنون المحزون !إن مثلك كمثل صبي أبله قعد على ساحل البحر يبكي دائما لزوال الحبابات المتشمسة. كلما زال واحد بكى عليه ظنًا منه انطفاء الشُميسة المتبسمة في الحباب بزوال الحباب وتحوله، وقد يبكي لتكدر ما في الحباب وتشوهه باختلاط مواد كثيفة به، ولا يرفع رأسه حتى يتفطن لتنزه الذات - التي هذه التماثيل جلوات أنوارها المتجددة على وجه البحر وخدود الأمواج وعيون القطرات - عن الزوال بزوال مرايا تجلياته، بل ليس في ما ترى زوال مؤلم ولا فراق أليم."

أما الجمال بمحاسنه وجلواته فثابت بكمال حشمته في تجدد شؤونه وتعدد مراياه.

وأما المرايا والمظاهر فتظهر لوظيفتها وهي راقصة، فإذا تمت الوظيفة استترت وهي ضاحكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت