فهرس الكتاب
ومن جهة أخرى يعترف النورسي أن المناخ السياسي الذي كان يسود بلاده - ومن ثمة بلاد المسلمين كافة - في مطلع هذا القرن، إنما كان مشروطا بتنفذ إرادة الغرب في الحياة العامة وفي إدارة شؤون البلاد وتحريك أحجار السياسة القومية وبيادقها.."إن السياسة الحاضرة لاستنبول شبيهة بالأنفلونزا يسبب الهذيان، فنحن لسنا متحركين ذاتيا، بل نتحرك بالواسطة، فأوروبا تنفخ ونحن نرقص هنا، فهي تلقن بالتنويم المغناطيسي، ونحن نتصورها نابعة من أنفسنا ونجري إثر تلقينه بتخريب أعمى أصم، فما دام المنبع في أوروبا، فالتيار القادم إما سيكون تيارا سلبيا أو إيجابيا.." (1)
لقد كان النورسي على وعي بما يتوزع الأمة من أهواء تتجاذب مقادتها، وتريد أن تمخر بها دياجر الليل البهيم.. فقد كان يسوؤه أن يري التيارات المتزاحمة على قيادة الأمة، وإن تباينت في المشرب، إلا أنها جميعا موصولة على نحو أو آخر بالغرب، وهو ما يجعل من عملية تحرير الأمة وضمان انطلاقتها أمرا ميئوسا منه.. لقد صنف النورسي تلك التيارات إلى جناحين: جناح الوطنيين، وجناح الاستيلابيين، وكلاهما كان يصارع من أجل السدة ويحمل شعارات الوطن والأمة والحمية القومية.
لكن ما كان موقع وأهمية كل منهما على محك الموضوعية يا ترى ؟
لقد صور النورسي حال التيارين السياسيين المتنازعين للاستحواذ على مقادة الأمة تصويرا تشبيهيا، فبين مدى ارتباط كل منهما بدلالته:
(1) صيقل الإسلام361.