الصفحة 1802 من 3036

".. فالذين يتبعون التيار السلبي هم كالحرف الذي يدل على معنى في نفس غيره، ولا يدل على معنى في نفسه.. بمعنى أن جميع أفعاله ستكون لصالح الخارج مباشرة، لأن إرادته لا حكم لها، فلا تنفعه النية الخالصة .. أما التيار الآخر الإيجابي فيلبس لبوس التأييد والموافقة من الداخل، فهو كالإسم الذي يعرف بأنه ما دل على معنى في نفسه، فأفعاله لنفسه ولكن ما يترتب عليها للخارج، إلا أنه لا يؤاخذ عليه لان لازم المذهب ليس مذهبا.." (1)

وواضح أن النورسي يقدر هنا النتائج البئيسة التي تتحقق للأمة على يد أنظمة تحكمها النزعة الوطنية المجردة من الدين،

على أنه قدر أن تلك الأنظمة تكون أقرب للأمة (والمفاضلة هنا من باب شر أهون من شر فقط ) بالقياس إلى تنفذ السلط المتغربة عديمة الحس الوطني.. أو المدخولة الضمير الوطني.

فعلى الرغم من أن الساسة الوطنيين كانوا هم أيضا لا يعبأون كثيرا بالدين، إلا أن نظامهم يظل على كل حال قريبا من الشعب والأمة بما ينجزه من مكاسب، ولو بعدم التضييق على الدين..

على أن العدالة القصوى والتطهر التام لا يتحققان إلا إذا كان نظام الحكم على وفق تعاليم رب العالمين..

ومما لا شك فيه أن انتقادات النورسي لساسة عصره تظل ثابتة إلى اليوم، وهي تصدق على ساستنا في الوقت الراهن ..

بل نكاد نقول - باستثناء ربما تجربة السفياني - إن حدا أدنى من الغيرة والهمة كان يميز ساسة ذلك العهد. وربما كان تفريطهم في ما فرطوا فيه مبررا بالغفلة والجهل ومحدودية التمرس.. أما حالنا اليوم فلا تتبرر بأي منظور..

وما قد يعزينا أن تكون تفريطاتنا الرهيبة اليوم مجرد سانحة للأمة كي تتجهز وتعيد الكرة.. وإلا فالمأساة مدمرة..

التاكتيك في مضمار السياسة

(1) صيقل الإسلام 361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت