فهرس الكتاب
مما لا ريب فيه أن غياب النورسي عن ساحة السياسة لم يقطع صلته بها، ومن الطبيعي بالنسبة لمن راهن على المستقبل الحضاري للأمة واعتمد القرآن سلاحا، ألا ينقطع عن الحياة، إذ من غير المعقول أن نربط وجودنا بالنهضة والانبعاث ولا نكون على وعي بما يحدث من حولنا .. ولا يعني هذا أننا سننخرط حتما في رصد حركات الواقع وسكناته بهوس، بل الأصوب أن تكون خطانا على بينة من طبيعة الأرض التي نطؤها ومورفولوجيا تلك الأرض.
ولقد كان النورسي على معرفة تامة بالأرضية وبالتضاريس المحيطة به، فلم يسعه بعد ذلك أن ينشغل بغير ما يكفل له المضي على النهج..
ورغم استغراقه العميق في الانقطاع الروحي إلا أنه ظل على صلة بما شاء أن يظل على صلة به. ظل يرعى حركة النور، ويتعهد نموها ويخطط لمسيرتها ويكيف منعطفاتها وظل على صلة أيضا بمبتدعات العلم ومنجزاته، لاسيما تلك التي كان يثمرها في الدعوة مثل جهاز المسجل وقبله جهاز الرونيو والراديو والقطار وما إلى ذلك ..
بهذه الروح الواعية تابع النورسي تطورات المسرح السياسي في بلاده، لا سيما وقد أحس بما كان يطرأ على أرضية ذلك المسرح من تغير إيجابي بعد الدمار الكبير الذي ألحقه السفياني بقيم ومقدسات الأمة.. هنالك كان على النورسي أن يكون أشد حصافة وأكثر ألمعية في تعامله مع تلك الأحداث التي أفرزتها المسيرة السياسة المحمومة لبلاده ..
فكانت له من ثمة تلك المراسلات مع أفراد من الساسة والكبراء، لاسيما بعد وصول الحزب الديمقراطي إلى الحكم (سنة 1950) .. بل لقد ألفيناه يسجل موقفا عمليا تمثل في إدلائه بصوته في الاقتراع العام ترجيحا للكفة التي كان يرى فيها الخير للإسلام والأمة.