فهرس الكتاب
فبناءً على هذه الرؤية والمشابهة والتوهم الخيالي استحسن تشبيه السحاب- ولا سيما الصيفي منه - بالجبال، والسفن والبساتين والأودية وقوافل الإبل - كما تسمع من العرب في كلامهم - فيخيل إلى نظر البلاغة: أن قطعات السحاب الصيفي سيَّارة وسياحة في الجوِّ، وكأن الرعد راعيها وحاديها، كلما هزّ عصا برقه على رؤوسهم في البحر المحيط الهوائي اهتزت تلك القطعات وارتّجت وتراءت جبالًا صادفت الحشر، أو سفنا تلعب بها يد العاصفة، أو بساتين تُرَجِّحُهَا من تحتها الزلزلة، أو قافلة شردت من هجوم قُطَّاع الطرق، ومع ذلك يسيرون ويبحرون بأمر الخالق .
ولما ناداها الرعد - كالبوق المعروف في المعسكرات - ( حيَّ على الاجتماع والاتحاد ) تسارعوا من منازلهم مهطعين إلى راعيهم فيُحْشرون سحابًا، ثم بعد إيفاء الوظيفة حقها وتلقي الأمر بالاستراحة، يطير كُلٌ إلى وكره .
فبناءً على هذه المناسبة الخيالية، وعلى المجاورة بين السحاب والجبال:
إذ الجبل - بعامل البرودة والرطوبة - يتظاهر ويتشكل السحاب عليه بمقداره، ويلبس لباسه، وعلى وجود الأخوة بينهما ومبادلة الصور واللباس لكليهما، في كثير من مواضع القرآن، ومصافحتهما في منازل التنزيل، كمحاورتهما وتعانقهما في كثير من سطور صحيفة الأرض في كتاب العالم، فترى السحاب متوضعًا على الجبل، ويصير الجبل كأنه مرسى سفن السحاب ترسو عليه أو مجلس تتشاور عليه أو وَكْرُ تطير إليه استحقا بحكم المجاورة - في نظر البلاغة أن يتبادلا ويستعيرا لوازمهما فيعبر عن"السحاب"بـ"الجبل"مع تناسي التشبيه .
فإذا عرفت ما سمعت من المناسبات،
و (ينزل من السماء ) أي من جهة السماء .
( من جبال فيها ) أي من سحاب كالجبال .
( من برد ) أي من مطر كالبَرَد في لونه و رطوبته وبرودته . (1)
(1) أنظر إشارات الأعجاز في مظان الإيجاز ص113 وما بعدها . وانظر كذلك / سعيد النورسي رجل الإيمان ص 143 ، 144 ، 145 ، 146 ، 147.