الصفحة 186 من 3036

فخلاص روح الإنسان من تلك الأثقال، وانسلالها من بين سحب الغفلة والحيرة، وخروجها من تحت زبد التوافه والأباطيل، في هذا الوقت من النهار، لا يتم إلا بالتجاء الإنسان وهروبه إلى باب الحي القيوم الباقي بتضرع الملتاع وتوسل الملهوف، فيقف بين يدي الله سبحانه وتعالى في صلاة الظهر مكتوف اليدين، واجف القلب، شاكرًا حامدًا لآلائه وأنعمه، متبرئًا من حوله وقوته، مستعينًا به وحده، مُظْهِرًا - بركوعه - عجزه إزاء جلاله وكبريائه وعظمته، مُعْلِنًَا - بسجوده ذلّه وخضوعه تجاه كماله الذي لا يزول، ومسبحًا بحمد جماله الذي لا مثيل له ولا شبيه .

فما أشد حاجة الإنسان في هذا الوقت إلى هذه الصلاة التي تنعش روحه، وتذكر قلبه، وتوقظ وجدانه، أفلا ترى معي - يا أخي - أن الصلاة هنا ضرورة من أعظم الضرورات في الإبقاء على يقظة الإيمان وحيويته في النفوس؟

3-وقت العصر:

ويأتي العصر منسابًا بهدواته الهادئة، ولحظات سكينته الحالمة، طاويًا أساهُ العِذْبُ سرّ الآلام الإنسانية الكبرى، وماسحًا بيده أوجاع القلب البشري المتعب في حومة الكفاح - من أجل بقائه نقيًا طاهرًا - ضد قوى الشرّ في خفايا الضمير، وخبايا الوجدان، هذا الكفاح المرير الذي لا يعلم سره إلا الله سبحانه وتعالى .

ووقت العصر هو خريف اليوم المثقل بثمار الأعمال، جيدها ورديئها وكهولة النهار المدلفة بهدوء إلى شتاء العمر، وهو يشير - بانحدار شمسه نحو المغيب - إلى الحزن الوقور الآتي مع شيخوخة الإنسان والقادم في صحبة الجسد المهزوز العاجز الضعيف الذي يقول لسان حاله: انظروا - أيها السادة - كُلَّ شيء يحول ويزول، ويمضي إلى عوالم الغيب، وينحدر إلى ما وراء الشهود . . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت