الصفحة 1863 من 3036

بل إن الأهم من كل هذا هو اكتسابه لتلك الصفة الذهنية التحصيفة والمتمثلة في قابلية النقد الذاتي التي أضحت راسخة في سلوك الإنسان المتمدن اليوم، والتي يترجمها هذا الوازع التصحيحي الحي في أعماقه على الدوام، والذي يجعله يستشعر باستمرار أنه لم يبلغ بعد مستوى الكمال، وأن عليه أن يجهد من أجل أن يرقى سلم المدنية بمختلف مرتكزاته التشريعية والمعرفية والاجتماعية عامة، وأن يمضي على الطريق قدما. على عكس قناعة إنسان الحضارات السابقة، حيث أن تلك الحضارات كانت ترى في منجزاتها المادية والفكرية سقفا قارا ، وحدا نهائيا لا مجال لتجاوزه ، بل لقد كانت تحيل نزعة التجاوز - إذا ما بدت - على روح التمرد والكفر ومناهضة خيار الآلهة في مضمار المعيش والحياة وسعادة الحياة والمآل. لذا توجب على الإنسان المسلم أن يتقمص روح العصر وأن يتدثر بلوازم الكفاح المعرفي والانجازي ليكون له حضوره وتأثيره في حضارة هذا العصر وفي القابل البعيد أيضا.

9-العقيدة الإسلامية ذاتها عقيدة متطورة

لقد آمن النورسي أن العقيدة ذاتها متطورة ، وأن سريان سلطان الزمن الوطيد والمطرد بلا هوادة ، والذي جاءت الديانات لتحد من جنوحه وانفلاته نحو الوحشية والإطلاق ، يترك بدوره الأثر من خلال ما يحدثه من تطورات على الحياة والمعايير نفسها ، الأمر الذي يجعل الأحكام القدسية ذاتها تبدو على حال من المرونة الأصيلة والمنسجمة مع قابليات الإنسان في التجدد ، فطرة الله التي فطر عليها عباده:"..الشريعة متطورة لكونها منوطة بالأزل، فهي تتوسع وتنمو بنمو الكائن الحي، أي بنسبة نمو استعداد الإنسان وتشربه من نتائج تلاحق الأفكار وتغذيه عليها، ذلك الاستعداد الذي يمثل ميل الرقي الذي هو غصن من أغصان شجرة استكمال العلم" (1) .

(1) صيقل471

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت