الصفحة 1865 من 3036

تجاوزت رؤية النورسي إلى المذاهب الدينية النطاق الاختلافي الذي ظل وما زال يقيم الحواجز الصماء بين أتباع المذاهب والطوائف، لا سيما بين السنة والشيعة.. لقد قرأ الواقع التمايزي بين الشيعة والسنة بفكر تقويمي انتهى بمسألة الفرقة المذهبية إلى جوهرها العضوي الواحدي. إذ في رأيه أنه لا مسوغ بأي حال من الأحوال أن يعادى من تشيع لآل رسول الله وجعل من محبته ديدنه ، كما أنه لا مبرر للنفور ممن يشمل بمحبته صحابة رسول الله ومن ضمنهم آله الكرام ، إذ الجميع في حقيقة الأمر يشتركون في محبة العترة الزكية، ولا يضير بعد هذا أن تختلف حجوم وتفاصيل المحبة وكيفياتها..

ونجده في موطن آخر يرجع أسباب تأخرنا المدني إلى حال التفكك والخلاف الفكري والمعتقدي، والذي يترجم على أرض الواقع في صورة اختلاف رؤيوي وتشتت في النظرة إلى الحياة، وانعدام المشروع المدني والاجتماعي الذي يناط بالجهات الفاعلة في المجتمع من أجل أن تصوغه وتنفذه .إن غياب النموذج الاجتماعي الموحد وانعدام الإطار المدني المشترك الذي يستقطب الجهد الملي - وإن اختلفت بعد ذلك تفاصيل ذلك النموذج المدني بين الفئات من حيث الكيفيات والأساليب المفضية إلى خير الأمة وصلاحها - يجعل من الأفكار أحوالا انفعالية مرتهنة بالحماس الظرفي الذي تذكيه المناسبات ، ويجعل التصورات الحالية والمستقبلية مجرد أحلام حبيسة الذهنيات والضمائر والنوايا ولا شيء غير ذلك، وقد تتحول الرؤى ووجهات النظر إلى برامج، إلا أنها ونتيجة التضارب الذي يعاجلها من قِبَلِ المخالفين والمعارضين ، لا تلبث أن تجهض أو تموت في الرحم تحت ضغط الخلاف غير المدني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت