فهرس الكتاب
فلا تغتر بما تجد، ولا تفرح بما تكسب، فلا دوام لمطلوبات الدنيا، ولا بقاء لمحبوبات الحياة، فإياك والتعلق بما يمكن أن تفارقه أو يفارقك، وإياك والتشبث بالزائلات الفانيات من الأشياء .. بل تعلّقْ بالباقي تبقَِ .. وتشبّثْ بالخالد تخلدْ .. وأحبَ الحيَّ القيومَ تحيا .. وتشوقْ إلى الرحمن الرحيم تُرحَمٍْ وفي الظلمات استقبل قبلتك .. وأدِّ صلاتك تتنور وتتضوأ مهما اشتد ظلام الدنيا حولك أو اشتدت عَتَمَةُ قبرك .. هذا هو معنى الصلاة ومغزاها في مستهل هذا الانقلاب الزماني الكبير، وفي أوان هذا الإدلاج من عالم النور إلى عالم الظلام .. فما أعظم - يا أخي حكمة فرض الصلاة في هذا الوقت، وما أجمل ما تؤديه للإنسان في هذا الأوان من أمن وسكينة واطمئنان . . .
5-وقت العشاء:
ويأتي العشاء هذا الشتاء الليلي الذي يتغشى بكفنه الأسود وجه الأرض الميتة معلنًا بذلك عن موت يوم آخر من أيام الدنيا، ومضيه مثقلًا بأعمال البشر بكل خيرها شرِّها إلى حافظه الزمن، وعقله الدقيق الذي لا يفوته تسجيل كل صغيرة وكبيرة وحفظها إلى اليوم الموعود .. هكذا تمضي صحيفة النهار البيضاء تجرر بقايا نورها، وتختفي وراء أفق السماء، وتُنْشَرُ صحيفة الليل السوداء مذكرة الإنسان -الذي كثيرا ما تنتابه الغفلة- بقدرة"مقلب الليل والنهار"و"مسخر الشمس والقمر"كما هو شأنه - جل شانه - عندما يطوي بساط الربيع الأخضر من فوق سطح الأرض ويستبدل به ذلك البساط البارد المتثلج الأبيض أيام الشتاء المقرور.
فالجمع - في الخلق - بين المتناقضات، بياض النهار وسواد الليل، حر الصيف وقر الشتاء، حياة المخلوقات وموتها، من عمل واحد أحد، فرد صمد لا حَدَّ لقدرته ولانهاية لإبداعات صنعته.