الصفحة 189 من 3036

وسجو الليل وصمت سكينته، وهدوات أنفاسه، يقربنا من حافات ذلك العالم الصامت الذي يثوي الأموات في صمته، ويجعلنا نسمع طرقات البلى، ومعاول الفناء على أسوار الدنيا وجدران العالم، حتى ليدوي في أسماعنا طنين الهلاك، ونحس في أرواحنا عويل الدمار وأنين الانهيار، ونُصْغي بقلوب واجفة إلى ذلك النداء الأزلي: (لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار) (غافر:16) المالك الحقيقي المتصرف الحقيقي بهذا الكون، بل المعبود الحقيقي، والمحبوب الحقيقي فيه الذي يقلب الليل والنهار، والشتاء والصيف والدنيا والآخرة، كما يقلب أي إنسان - ولله المثل الأعلى - صفحات كتابه، أو يطوي سجلات كتبه، فيتجلَّى عجزنا، ويبين فقرنا، وتنكشف حاجتنا إلى من بيده إنقاذنا من ظلمات المستقبل، وليل العالم الكبير، القادم قدوم كل ليل في آخِرَةِ النهار، فيفزع المؤمن في هذا الوقت إلى الصلاة ويردد مع سيدنا إبراهيم عليه السلام (لا أحب الآفلين) (الأنعام:76) ، ويتقرب بصلاته إلى باب من هو المعبود الذي كان وما يزال، ومن هو المحبوب في كل وقت وأوان، مناجيًا الباقي السرمدي بعد خَلْعِهِ للدنيا الفانية، وطرحه لهذا العالم المائل للانهيار في كل لحظة وراء ظهره خارجًا بذلك من ظلمة دنياه، من خلال صحبة خاطفة، ومناجاة موقتة، مقتبسا النور الذي يضئ حياته، وملتمسًا المرهم الذي يضمد به جراح قلبه النازفة على من زال من أحبائه وفراق من فارق من إخوانه ومعارفه، ساكبا عبرات قلبه، ولوعات صدره على عتبة باب تلك الرحمة، قائما بوظيفة العبودية في خاتمة يومه قبل أن يخلد إلى النوم، موته الأصغر الذي يجر به كل ليلة، والذي لا يدري ما سيؤول أمره فيه عندما يغمض عينيه، ويعقد الكرى أجفانه .. فتتهاوى عند أبواب النفس كل محبوباته الدنيوية، وتذوب في حرارة صلاته كل أهوائه ورغائبه الزائلة الفانية، ويتلاشى خوفه ويزول ذله، ويتحول الصغار في روحه إزاء السادة الدنيويين إلى عز شامخ، وإباء رفيع،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت