الصفحة 203 من 3036

في منافيه القصية، ومنعزلاته في البراري وفوق قمم الجبال كان"الحق والجمال"يشغلان فكره، ويثيران فيه عالما فسيحًا وعميقًا من التأمل والنظر، أما نوازع الدم فقد غادرت حياته منذ أمد بعيد والى الأبد، ولم يكن تقشفًا ذلك الذي يفرضه على نفسه بل هو روح التقشف، وليس عطاء ما يجود به قلمه بل هو قلب العطاء وصميمه، وما يُفَجِّرُهُ بعزمه القوي ليس ينبوعَ أملٍ بعيد المنال بِقَدْرِ ما هو يقينٌ يحيا به ليله ونهاره، ويعيش به ولأجله، وإذا ما صام عن الكلام فأنه يفعل ذلك ليس برغبة في الصمت بل هو استرواحًا للروح واستنباتا لأزاهير الحكمة التي لا تُسْتَنْبَتُ إلا في مشتل الصمت، ونفسه الصافية المستقيمة كان لا بد لها أن تتحد وتتوحد بكل ما هو عادل وصادق في الإنسان والحياة، ولو قيل لمجتمع"الإيمان"أين ضميركم الخافق، وروحكم النابض لأشاروا إليه، وأَوْمَأُوا نحوه، وفي ذاته تقطن مقاومة عنيدة لا تعرف الاستسلام، ومن كان متين البناء، صلب العود كالنورسي فأنَّى تستطيع سهام الأعداء أن تخترقه، إن إيمانه لا يقهر، ومواهبه الفكرية والوجدانية موضع ثقة كل من قرأه. أو عرفه عن كثب. وآلاف الأرواح التي تجوب العالم وهم يتناوحون تناوحًا مخيفًا باحثين عن الحقيقة وجدوا ضالتهم في أفكار هذا الرجل وفي تفسيراته المقنعة للغز الإنسان والكون والحياة، فأعماله الأدبية ذات موضوعات عظيمة تمس روح الإنسان وقلبه، وقد قدم في كتاباته إحساسًا مُصَفَّى، وشعورًا مرهفًا حادًا أرهفته التجربة، وشحذته المعاناة، وبمزيد من الشفقة والإشفاق كان يقابل أعداءه، ويعالج كراهيتهم وأحقادهم، وهذا هو انتصاره وانتصار"رسائل النور"التي بات يقرأها اليوم الملايين من الناس، وهو لا يجد سقوطا أشنع للإنسان من أن تتجرد فلسفته في هذه الدنيا من أي معنى الهي، وعلى وفرة رجولته وصلابته لم يستطع أن ينفض عن كبده أحزانًا لازمته حتى موته، أو أن يمنع عينيه من أن تفيض بالدمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت