فهرس الكتاب
في مواقف الذكريات، وفي رحلته إلى"بارلا"بعد عشرين سنة من مغادرته لها نستمع إليه يقول:
(إيه"بارلا".. يا شقيقة الروح .. ورفيقة الفؤاد .. وبستان الفكر .. وحقل الأشواق .. ومستودع الآلام .. ومزرعة الآمال
هاأنذا أعود إليك بعد عشرين عاما لألتقي في ربوعك بعض نفسي .. ولأعانق في أجوائك مُزَعَ الروح وبقايا الوجدان .. فوق كل سفح وقمة، وعند كل سهل وَحَزَنٍ، وعلى كل شجرة وغصنٍ وزهرةٍ، وفي الشعابِ والمنعطفاتِ، وبين الحقولِ والبساتينِ ).
ويخرج أهل"بارلا"كلهم شبابا وشيبا، رجالا ونساء وأطفالا، يستقبلونك ويرحبون بك وقد هاجت بهم الأشواق، وطفحت بهم المشاعر، فتدمع عيونهم فرحا، وتجيش عواطفهم محبةً وإكرامًا وتعظيمًا .. وتمضي تشق طريقك بصعوبة بالغة بين جموع الأهالي إلى دارتك الحبيبة التي أمضيتَ فيها ثماني سنوات كاملات، تلك الدار، التي شهدت منابع فكرك الأولى، وحملتْ أثقال أحزانك وآنست لوعة غربتك، وهدهدت أوجاع وحشتك، وضمت حناياها عليك في ظلمات الليالي وهدوات سكينتها وأنت غارق في تأملاتك أو وأنت في صلواتك وذكرك وتهجدك.
وتتثاقل خطاك وأنت تقترب من بيت تلميذك القديم"مصطفى جاويش"وهو النجَّارُ الذي نَجَّدَ لك تلك الغرفة بين أغصان الشجرة التي كنت تقضي فيها ساعات العبادة والتأمل في فصل الصيف، وإذا بالبيت الحزين مقفر موحش بعد أن رحل صاحبه عن الدنيا يومَ كنتَ منفيًا في"قسطموني"وقفل كبير معلّقٌ على باب البيت وكأنه يقول:
أيها المارّون .. مُرُّوا بسلام ولا تقتحموا أقفال الأحزان الكبيرة .. اتركوا أشجان هذا البيت المتفرد تنعم بالصمت والسكون ..
وتشعر وأنت تقف أمام البيت بجلال الآلام البشرية، وبجمال الحزن الصامت المهيب .. وتجهش بالبكاء .. وتغرق عيناك بالدموع . . .