فهرس الكتاب
يعرّج بعدها الأستاذ على شواهد وبراهين وحجج رعاية المصالح والفوائد في كلّ شيء، فيذكر دلالات الانتظامات والاهتمامات وحسن الصنعة في جميع المخلوقات، فقد تجلّت فيها الحكمة الحاكمة في سلطنة الربوبية، وما تقتضيه من تلطيف المطيعين الملتجئين إلى جناحها..ليس هذا فحسب، بل يشاهد أنّ له عدالة محضة حقيقية بشهادات وضعه كلّ شيء في الموضع اللائق، وإعطاء كلّ ذي حق حقّه الذي يستعد له، وإسعاف كلّ ذي حاجة حاجته التي يطلبها - لوجوده أو حفظ بقائه - وإجابة كل ذي سؤال سؤاله، وخاصة:إذا سئل بلسان الاستعداد أو بلسان الاحتياج الفطري أو بلسان الاضطرار.. فهذه العدالة تقتضي محافظة حشمة مالكيته، وربوبيته، بمحافظة حقوق عباده في محكمة كبرى، مع أنّ هذه الدار الفانية أقلّ وأحقر وأضيق وأصغر من أن تكون مظهرًا لحقيقة تلك العدالة، فلابد حينئذ لهذا الملك العادل والرب الحكيم ذي الجمال الجليل والجلال الجميل من جنة باقية وجهنم دائمة (1) ، وفي كلّ ذلك أظهر مظاهر رعاية المقاصد في الخلق من جهة، والعناية بالمقاصد في رسائل النور.
كما أورد ذلك المعنى في خاتمة تعليقه على دليل من الأدلة العقيدية فيقول:"وزبدة هذا الدليل هي: إتقان الصنع في النظام الأكمل في الكائنات، وما فيها من رعاية المصالح والحكم، إذ النظام المندمج في الكائنات، وما فيه من رعاية المصالح والحكم، يدلّ على قصد الخالق الحكيم وحكمته المعجزة، وينفي نفيًا قاطعًا وهم المصادفة والاتفاق الأعمى"، معللا المسألة بالإتقان الذي لا"يكون دون اختيار. فكل علم من العلوم الكونية شاهد صدق على النظام، ويشير إلى المصالح والثمرات المتدلية كالعناقيد في أغصان الموجودات، ويلوح في الوقت نفسه إلى الحكم والفوائد المستترة في ثنايا انقلاب الأحوال وتغيّر الأطوار." (2)
(1) - انظر المثنوي العربي النوري 91
(2) - المثنوي العربي النوري 428