فهرس الكتاب
وقد حوى القرآن الكريم ذكر الأقطاب بطريقة لم يأت ولن يأتي مثلها ولن يدانيها شيء قط، ذلك لأن القرآن الكريم إنما هو خطاب من رب العوالم جميعًًا وكلام من خالقها، وهو مكالمة لا يمكن تقليدها - بأي جانب من الجوانب - وليس فيه أمارة تومئ بالتصنع. ثم إنّ المخاطب هو مبعوث باسم البشرية قاطبة، بل باسم المخلوقات جميعًا، وهو أكرم من أصبح مخاطبًًا وأرفعهم ذكرًا، وهو الذي ترشح الإسلام العظيم من قوة إيمانه وسعته، حتى عرّج به إلى قاب قوسين أو أدنى فنزل مكلّلًا بالمخاطبة الصمدانية. ثم إنّ القرآن الكريم المعجز البيان قد بيّن سبيل سعادة الدارين، ووضّح غايات خلق الكون، وما فيه من المقاصد الربانية موضّحًا ما يحمله ذلك المخاطب الكريم من الإيمان السامي الواسع الذي يضمّ الحقائق الإسلامية كلها عارضًا كل ناحية من نواحي هذا الكون الهائل ومقلبًًا إيّاه كمن يقلب خارطة أو ساعة أمامه. معلّمًا الإنسان صانعه الخالق سبحانه من خلال أطوار الكون وتقلباته، فلاريب ولابد أنّه لا يمكن الإتيان بمثل هذا القرآن أبدًا، ولا يمكن مطلقًا أن تنال درجة إعجازه." (1) "
وتتميّز تلك الأقطاب الأربعة المعبّر عنها بالمقاصد بورودها في أقل القليل من آي القرآن الكريم، بحيث تتجلى للعاقل المتدبّر في كل سور القرآن الكريم، فكما تتراءى هذه المقاصد الأربعة في كلّه، كذلك قد تتجلى فيه سورةٍ سورة، بل قد يُلْمَح بها في كلامٍ كلام، بل قد يُرْمَز إليها في كلمةٍ كلمة، لأن كل جزء فجزء كالمرآة لكلٍ فكلٍ متصاعدًا، كما أنّ الكلّ يتراءى في جزءٍ فجزءٍ متسلسلا، فترى المقاصد الأربعة في"بسم الله"وفي"الحمد لله". (2)
(1) - الشعاعات 179
(2) - انظر إشارات الإعجاز 24