فهرس الكتاب
تمهيد:الحرية والنبوة و النبوة والحرية
النبوة في أصل وضعها تأسيس للحرية، إذ تمثّل طريق تحرير الإنسان من العناصر التي تشدّه إلى الأرض، وذلك بما يفرضه المسلك النبوة من تحرّر من عناصر الشد إلى الأرض، ذلك أنّ النبوة مؤسسة للعبودية التي تعدّ أعلى مقامات الحرية، ومن ثمّ كانت العبودية التي وضعت خطتها النبوة محررة للبشر من نوازعهم السلبية من جهة، و واهبة الإنسان إيجابية تسع الحياة كلّها، لو أردنا أن نختصر الكلام لكفانا القول بأنّ النبوة باب الحرية.
ويطرح بهذا الصدد الصلة بين النبوة والحرية، فقد يذهب الخيال بالبعض فيظن أنّ النبوة تلغي الحرية؛ فهل لهذا القول سند؟
النبوة والحرية:
درجت عادات الناس على أنّ للحجة والبرهان صلة وثيقة بالإلزام الآيل في بعض التصوّرات إلى الإرغام الذي لا يلتئم مع الحرية، فهل في الحجج المثبتة لنبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ما يلغي الاختيار؟
تبنّي الموقف السابق لا يلتئم مع حكمة الله في التكليف، إذ من مقتضيات التكليف حرية الاختيار، أكّد الأستاذ ذلك المعنى في قوله:"إنّ المعجزة تأتي لإثبات دعوى النبوة عن طريق إقناع المنكرين، وليس إرغامهم على الإيمان. لذا يلزم إظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم إلى القناعة والاطمئنان إلى صدق النبوة. أما إظهارها في جميع الأماكن، أو إظهارها إظهارًا بديهيًا بحيث يضطر الناس إلى القبول والرضوخ فهو منافٍ لحكمة الله الحكيم ذي الجلال، ومخالف أيضًا لسر التكليف الإلهي. ذلك لأن سر التكليف الإلهي يقتضي فتح المجال أمام العقل دون سلب الاختيار منه." (1)
(1) - الكلمات 703