فهرس الكتاب
ج - المسلك الثالث:بيان الحال الحاضرة وشهادتها على النبوة
يشهد عصر النبوة على صدق سيدنا محمد في التبليغ عن ربّه من أربعة وجوه، اختصرها فيما يأتي:
-الأمر الخارق أنّك تراه عليه الصلاة والسلام رفع ما تعذّر على الملوك والسلاطين رفعه من عادات حقيرة راسخة ، كما تراه ينتزع ما فشلوا في استئصاله من خصال، بهمة ولو شديدة، في زمان قصير لا يسع أضعافه أصحاب الجاه والسلطان،
فقد أرسى عليه الصلاة والسلام فجأة بدل سيّئ العادات والأخلاق، عادات وأخلاق تكمّلت دفعة في قلوب قوم في غاية الكثرة ولمألوفاتهم في نهاية التعصب، أفلا يدل ذلك صراحة على أنّ فعله كان خارقا بالفعل؟ فإن لم تصدق بهذا فسأورد اسمك في قائمة السوفسطائيين.
-شكّل محمد صلى الله عليه وسلم حكومة عظيمة، في زمان قصير، دولة غلبت الدول العظمى دفعة، و نشأت بشكل لافت للنظر مخالف لما درج عليه البشر من نمو تدريجي للدول، دولة يحكمها سلطان له سطوة وهيبة ظاهرًا وباطنًا ومادةً ومعنىً. فإن لم تستطع رؤية هذه الأمور الخارقة، فأنت في طائفة العميان.
-حكم الناس بالقوة والقهر متاح وممكن، ولكن أن تكون الغلبة على الأفكار والتأثير بإلقاء حلاوته في الأرواح والتسلط على الطبائع مع محافظة حاكميته على الوجدان دائمًا لا يكون إلاّ من خوارق العادات. وليس إلاّ الخاصة الممتازة للنبوة. فان لم تعرف هذه الحقيقة فأنت غريب عنها.
-نفذ محمد صلى الله عليه وسلّم إلى أعماق القلوب بإرشاده، وهيّج دقائق الحسيات، وكشف أكمام الاستعدادات، وأيقظ السجايا الكامنة، وأظهر الخصال المستورة، وجعل جوهر إنسانيتهم فوارة، وأبرز قيمة ناطقيتهم، لأنّه مقتبس من شعاع الحقيقة ومن الخوارق للعادة.
د - المسلك الرابع مسألة الشريعة التي تمثّل صحيفة المستقبل
و تظهر حجتها باقتضاب من وجوه في مسألة صحيفة المستقبل، لاسيما مسألة الشريعة. لابد من ملاحظة أربعة: