فهرس الكتاب
مراجعة صحيفة ماضيه عليه الصلاة والسلام برهان على نبوته، يشهد لهذا البرهان أنّ من يأخذ أساسات علم وفن - أو في القصص - ويعرف روحه والعقد الحياتية فيه ويحسن استعمالها في مواضعها ثم يبني مدّعاه عليها، فان ذلك يدل على مهارته وحذاقته في ذلك العلم.كما أنّك لو كنت عارفًا بطبيعة البشر، لا ترى أحدًا يتجاسر بسهولة على مخالفةٍ وكذبٍ ولو حقيرًا، في قوم ولو قليلين، في دعوىً ولو حقيرة، بحيثية ولو ضعيفة. فكيف بمن له حيثية في غاية العظمة، وله دعوى في غاية الجلالة، ويعيش بين قوم في غاية الكثرة، ويقابله عناد في غاية الشدة، ومع أنّه أمّي لا يقرأ ولا يكتب، إلاّ أنّه يبحث في أمور لا يستقل فيها العقل وحده، ويظهرها بكمال الجدية، ويعلنها على رؤوس الأشهاد.. أفلا يدل هذا على صدقه؟
كل ما نقل عنه عليه والصلاة والسلام من علوم معارف كانت أبعد عن البادية التي سكن بها وترعرع، وهي حجة إضافية على صدقه، يشهد لها أيضا أنّه لو ناظر أميّ علماء علم، ثم بيّن رأيه في مسائله مصدقًا في مظان الاتفاق، ومصححًا في مطارح الاختلاف، يدلك ذلك على تفوقه، وأنّ علمه منحة ربانية علم وهبي لا كسبي ناله بطريق التحصيل.
تدل تلك الشواهد الجزئية على أنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع أمّيته، كأنّه بالروح الجوالة الطليقة طوى الزمان والمكان، فدخل في أعماق الماضي، وبيّن كالمشاهد لأحوال الأنبياء عليهم السلام، وشرح أسرارهم على رؤوس العالم، في دعوى عظيمة تجلب إليها أنظار الأذكياء. وقد قص قصصهم بلا مبالاة ولا تردد وفي غاية الثقة والاطمئنان، وأخذ العقد الحياتية فيها وأساساتها، مقدمة لمدّعاه مصدقًا فيما اتفقت عليه الكتب السالفة ومصححًا فيما اختلفت فيه. فثبت أنّ حاله هذه دليل على نبوته.
إنّ مجموع دلائل نبوة الأنبياء عليهم السلام، دليل على صدقه صلى الله عليه وسلم، وجميع معجزاتهم معجزة معنوية له.