فهرس الكتاب
كيف لا، ولو تأمّلت من قافلة تلك المادة اللطيفة في ذرة مثلا، مستترة في عنصر الهواء تصير بالآخرة جزءًا من سواد عين"الحبيب"، لعلمت أن تلك الذرة وهي في الهواء معيّنة كأنها موظفة مأمورة بالذهاب إلى مكانها الذي عيُنّ لها، إذ لو نظرت إليها بنظر فنيّ تيقنت أن ليست حركتها"اتفاقية عمياء""بتصادف أعمى"، بل تلك الذرة ما دخلت في مرتبة إلا تبعت نظاماتها المخصوصة، وما تدرجت إلى طور إلا عملت بقوانينه المعينة، وما سافرت إلى طبقة إلا وهي تساق بحركة عجيبة منتظمة. فتمر على تلك الأطوار حتى تصل إلى موضعها. مع أنها لا تنحرف قطعا مقدار ذرة عن هدف مقصدها.
ويختم مجموع تلك البراهين بذكر محصّلة الكلام فيقول رحمه الله:"والحاصل: أن من تأمل في النشأة الأولى لم يبق له تردد في النشأة الأخرى، ولقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (عجبًا لمن يرى النشأة الأولى كيف ينكر النشأة الأخرى) (1) .نعم! كما أن جمعَ نفراتِ عسكرِ فرقةٍ أُذِنَ لهم بالاستراحة والانتشار إذا دعوا بالآلة المعروفة - فيتسللون عن كل طرف ومكمن، فيجتمعون متحدين تحت لوائهم - يكون أسهل وأسهل من جلبهم أول الأمر إلى الانتظام تحت السلاح، كذلك أن جمعَ الذرات التي حصلت بينها المؤانسة والمناسبة بالامتزاج في وجودٍ واحدٍ إذا نوديتْ بصُور اسرافيل فينساب الكل من كل فج عميق ملبِّية لأمر خالقها يكون أسهل وأمكن في العقل من إنشائها وتركيبها أول المرة."
أما بالنسبة إلى القدرة فأعظم الأشياء كأصغرها. ثم الظاهر أن المعاد يعاد بأجزائه الأصلية والفضولية معا. كما يشير إليه كبر أجسام أهل الحشر وكراهة قصّ الأظفار والاشعار ونحوها للجُنُب، وسنّية دفنها. والتحقيق: أن عجب الذَنَب يكفي أن يكون بذرًا ومادةً لتشكله.
ب - الدليل الذي لوح به (وما ربك بظلام للعبيد) :