الصفحة 2395 من 3036

وفضلا عن تينكما الوظيفتين، فإنَّ الاجتهاد كان ولا يزال الملاذ الآمن الذي يؤمُّه الغيارى ويعتصم به المحقّقون من أهل العلم بغية حماية حمى الدين من الغلو والتزمت والتطرف والتشدد وسواها من الأمراض الفكرية التي تبتلى بها الأمم التي تداس في ساحتها حرمة الاجتهاد، ويعبث به في أروقتها كل راح وغادٍ، فيغدو ـ والحال كذلك ـ مرتعا يرتاده كل من هبّ ودبّ من البلهاء والفضوليين وأنصاف العلماء!

وفي خضم تسلط المتسولين من أشباه المتعلمين على حمى النظر الاجتهادي ظلما وجورًا، وفي غمرة تصدِّي الغوغائين والعامة للدعوة إلى الاجتهاد والتجديد في كل عصر ومصر، في هذه الأثناء، يجب على الراسخين في العلم والمتمكنين من النظر الاجتهادي وأدواته بيان الموقف الشرعي الأسد والأحكم من المسألة الاجتهادية في ضوء الواقع المعاصر.

نعمْ، إننا نؤمن كل الإيمان بأن للاجتهاد بابا، وأنّ هذا الباب كغيره من الأبواب يجب أن يسدَّ ـ ولو إلى حين ـ عندما تدعو الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة إلى سدّه ل أسباب علمية وموضوعية وآنية، كما يجب أن يفتح إذا دعت ذات الضرورة أو الحاجة إلى فتحه؛ وكلا الأمرين ـ السد والفتح ـ اجتهاد، ومهمة جلل محظورة على العامة وأشباه المتعلمين وأدعياء العلم والمعرفة في كل عصر ومصر، وينيغي أن يتصدَّى لها الراسخون من أهل العلم الذين تمكنوا من أدوات الاجتهاد ومتطلباته في عصرهم.

وبناءً على هذا، فإنَّ ما نسمعه اليوم من دعوات مكرورة إلى فتح باب الاجتهاد والتجديد، لا مشروعية لهذه الدعوات ما لم تكن صادرة من أهلها، كما أن نسمعه أيضا من دعوات مناقضة ومتبرمة من الاجتهاد كل الاجتهاد والتجديد، هي الأخرى لا حظ لها من المشروعية إذا كان أربابها من بقايا مقلدة القرون الغابرة الذين تقاعسوا عن التمكن من أدوات الاجتهاد ومتطلباته في العصر الراهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت