فهرس الكتاب
فعلى صعيد تعريفات الاجتهاد - مثلا - يجد المرء أن العلماء الذين ذهبوا إلى تعريف الاجتهاد بأنه بذل الوسع من أجل التوصل إلى الحكم الشرعي بطريق الاستنباط، أو أنه بذل الفقيه وسعه من أجل تحصيل الحكم الشرعي الخ.. تقوم هذه التعريفات على القول بالخطأ، ذلك أن مايتوصل إليه المجتهد ليس بحكم جديد محدث، وإنما هو حكم أزلي قديم قد يصيبه المجتهد وربما يخطئه، ولذلك لأمر ما أبى هؤلاء إلاّ أن يربطوا عبارة"الحكم الشرعي"بـ"أل"التعريف، أي الحكم الشرعي المعين لله في الحادثة، وليس صنيع المجتهد في التعرف على ذلك الحكم معصوما عن الخطأ، والإصابة، وهلم جرًا..
وأما أولئك الذين ذهبوا إلى عدم تقييد تعريف الاجتهاد بالقيد المذكور"أل"، فإنَّ مرمأهم القول بأن الحكم الذي يتوصل إليه المجتهد هو الذي ينبغي اعتباره حكم الله المعين بالنسبة لذلك المجتهد، و لا مانع أن يتوصل غيره إلى حكم آخر ينبغي اعتباره أيضا حكم الله المعين، وأساس هؤلاء متأثر باتجاههم القائم على اعتبار كل مجتهد مصيبا في المسألة الاجتهادية، وهكذا دواليكم..
وأما على صعيد حجية الحكم الاجتهادي، فإنَّ المرء يستطيع أن يدرك بأدنى تأمل أثر هذا النزاع في مواقف العلماء، ويدرك أن ما انتهى إليه المخطئة يعتبر إلزامًا غير مباشر بالحكم الذي يتوصل إليه المجتهد، إذ الحكم الذي يترجح لديه هو حكم الله المعين الذي لايصح لامرئ مخالفته في نهاية المطاف، وينتج عن هذا فتح الباب على مصراعيه بطريقة غير مباشرة لتقليد المجتهدين، وعدم الخروج على الأحكام التي توصلوا إليها في اجتهادهم.