الصفحة 2403 من 3036

وفي ضوء الموقف من هذين الرأيين، ظهر في الفكر الأصولي اتجاهان يعرفان بالمصوِّبة والمخطِّئة، ويراد بالمصوِّبة أولئك الأصوليون الذين تبنوا الرأي القائل بتصويب كل مجتهد في المسائل الاجتهادية، وأما المراد بالمخطِّئة، فيراد بهم أولئكم الأصوليون الذين اختاروا القول بأن المجتهد في المسائل الاجتهادية واحدٌ، والبقية مخطئون ولكنهم مأجورون وغير آثمين، خلافا للمؤثِّمة وهم الذين يعتبرون غير المصيبين في المسائل الاجتهادية آثمين عند الله في اجتهاداتهم. وبطبيعة الحال لا يقيم أحد من أهل العلم المحققين أي وزن لرأي المؤثمة لكونه مخالفا مخالفة صارخة لما تضافرت النصوص الشرعية على إثباته وهو كون المجتهد المخطئ في المسائل الاجتهادية مأجورًا عند الله.

وعلى كل، إذا تبينت لنا حقيقة كلا مصطلحي التصويب والتخطئة والإصابة والخطأ، فإننا استعجلنا بالقول بأنه قلما يخلو كتاب في علم أصول الفقه لم يعن بتفصيل القول في هذا النزاع تحت عناوين مختلفة، ومضامين متحدة، وإن كانت قد اشتهرت اشتهارًا بمبحث"هل كل مجتهد مصيب، أم أن المصيب واحد"1.

الأمر الذي يجعلنا نبتعد عن سرد الأقوال الواردة فيها، وإنما نكتفي ببيان بعض مايترتب من آثار فقهية عميقة الجذور على هذا النزاع بين المصوبة والمخطئة، وربما ذهب بعض الناس إلى القول بأن النزاع بينهم نزاع لفظي عديم الأثر، بيدَ أن الحقيقة التي لا مرية فيها هي أن نزاعهم حول هذه القضية ذو آثار عظيمة سواء على صعيد تعريفات الاجتهاد كما اشرنا إلى ذلك سابقًا، أو على صعيد حجية الحكم الذي يتوصل إليه المجتهد باجتهاده، أو على صعيد شروط الاجتهاد، وحكم تقليد مذهب وعدمه، وغير ذلك من الأصعدة التي لايسعنا حصرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت